على رجل جالس عند مقراة (2) له، فقال عمر: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا مكلب (3)، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور) (4) ·
خامساً: روى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: انتهينا إلى غدير فإذا فيه جيفة حمار قال: فكففنا عنه حتى انتهينا إلى رسول الله فقال: (إن الماء لا ينجسه شيء) فاستقينا وأروينا وحملنا (5) ·
سادساً: أنه حيوان يجوز بيعه والانتفاع به فكان سؤره طاهراً كالشاة (6) ·
وقد ناقش أصحاب القول الأول أدلة أصحاب القول الثاني فقالوا:
أولاً: هذه الأحاديث التي استدللتم بها لا حجة لكم فيها لأنها محمولة على ماء كثير (1) · وأجاب أصحاب القول الثاني بأن الأحاديث عامة فلا تخص إلا بدليل (2) ·
ثانياً: أن هذه الأخبار وردت قبل تحريم لحوم السباع (3) ·
والجواب عنه من أوجه:
أحدها: هذا غلط فلم تكن السباع في وقت حلالاً، وقائل هذا يدعي نسخاً والأصل عدمه ·
الثاني: هذا فاسد إذ لا يسألون عن سؤره وهو مأكول اللحم، فإنه لا فرق حينئذ بين السباع وغيرها ·
الثالث: لو صح هذا وكان لحمها حلالاً ثم حرم، بَقِيَ السؤر على ما كان من الطهارة حتى يرد دليل تنجيسه (4) ·
الراجح:
أري أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو طهارة سؤر السباع وجوارح الطير، لما يأتي:
أولاً: أن الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول لا تخلو من مقال، لكن قال النووي في بعضها له شواهد تقويه، وقال البيهقي في بعضها أيضاً إذا ضمت أسانيده بعضها إلى بعض أخذت قوة ·
ثانياً: أن سؤر السباع وجوارح الطير وغيرها من الدواب مما لا يمكن التحرز منه، خاصة في مياه الأماكن العامة، كالغدران والأحواض وأماكن تجمع مياه الأمطار