تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ فَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهَا مُحْكَمَة , وَأَنَّهُ يَسُوغ الأَكْل مِنْ الثِّمَار , وَشُرْب اللَّبَن لِضَرُورَةٍ وَغَيْرهَا. وَلا ضَمَان عَلَيْهِ. وَهَذَا الْمَشْهُور عَنْ أَحْمَد.

ـ وَقَالَتْ طَائِفَة: لا يَجُوز لَهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلا لِضَرُورَةٍ مَعَ ثُبُوت الْعِوَض فِي ذِمَّته. وَهَذَا الْمَنْقُول عَنْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة , وَاحْتُجَّ لِهَذَا الْقَوْل بِحُجَجٍ. إِحْدَاهَا: قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُون تِجَارَة عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وَالتَّرَاضِي مُنْتَفٍ فِي هَذِهِ الصُّورَة. الثَّانِيَة: الْحَائِط وَالْمَاشِيَة لَوْ كَانَا لِيَتِيمٍ , فَأَكَلَ مِنْهُمَا , كَانَ قَدْ أَكَلَ مَال الْيَتِيم ظُلْمًا , فَيَدْخُل تَحْت الْوَعِيد الثَّالِثَة: مَا خَرَّجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة. أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَته فِي حَجَّة الْوَدَاع " إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَام , كَحُرْمَةِ يَوْمكُمْ هَذَا , فِي بَلَدكُمْ هَذَا , فِي شَهْركُمْ هَذَا " وَمِثْله فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ جَابِر. الرَّابِعَة: مَا فِي الصَّحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " كُلّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم حَرَام , دَمه , وَمَاله , وَعِرْضه ". الْخَامِسَة: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي حَجَّة الْوَدَاع - فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِيهِ "وَلا يَحِلّ لِامْرِئٍ مِنْ مَال أَخِيهِ إِلا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيب نَفْس ". السَّادِسَة: مَا رَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه: عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ قَامَ , فَقَالَ: لا يَحْلُبَنَّ أَحَدكُمْ مَاشِيَة أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنه: أَيُحِبُّ أَحَدكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَته , فَيُكْسَر بَاب خِزَانَته؟ - الْحَدِيث ". السَّابِعَة: أَنَّ هَذَا مَال مِنْ أَمْوَال الْمُسْلِم , فَكَانَ مُحْتَرَمًا كَسَائِرِ أَمْوَاله

قَالَ الأَوَّلُونَ: لَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا ذَكَرْتُمْ مَا يُعَارِض أَحَادِيث الْجَوَاز , إِلا حَدِيث اِبْن عُمَر , فَإِنَّهُ فِي الظَّاهِر مُخَالِف لِحَدِيثِ سَمُرَة. وَسَيَأْتِي بَيَان الْجَمْع بَيْنهمَا إِنْ شَاءَ اللَّه.

أَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ فَلا يَتَنَاوَل مَحَلّ النِّزَاع. فَإِنَّ هَذَا أَكْل بِإِبَاحَةِ الشَّارِع , فَكَيْف يَكُون بَاطِلاً.؟ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَاب تَخْصِيص الْعَامّ فِي شَيْء , بَلْ هَذِهِ الصُّورَة لَمْ تَدْخُل فِي الآيَة , كَمَا لَمْ يَدْخُل فِيهَا أَكْل الْوَالِد مَال وَلَده. وَأَيْضًا: فَلأَنَّهُ إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى تَحْرِيم الأَكْل بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يَأْذَن فِيهِ الشَّارِع وَلا الْمَالِك , فَإِذَا وُجِدَ الإِذْن الشَّرْعِيّ , أَوْ الإِذْن مِنْ الْمَالِك , لَمْ يَكُنْ بَاطِلاً. وَمَعْلُوم أَنَّ إِذْن الشَّرْع أَقْوَى مِنْ إِذْن الْمَالِك. فَمَا أَذِنَ فِيهِ الشَّرْع أَحَلّ مِمَّا أَذِنَ فِيهِ الْمَالِك وَلِهَذَا كَانَتْ الْغَنَائِم مِنْ أَحَلّ الْمَكَاسِب وَأَطْيَبهَا , وَمَال الْوَلَد بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَب مِنْ أَطْيَب الْمَكَاسِب , وَإِنْ لَمْ يَأْذَن لَهُ الْوَلَد. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ الْمُسْتَحِيل أَنْ يَأْذَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّه وَمَنَعَ مِنْهُ. فَعُلِمَ أَنَّ الآيَة لا تَتَنَاوَل مَحَلّ النِّزَاع أَصْلاً. وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَاب عَنْ الدَّلِيل الثَّانِي , وَهُوَ كَوْنه مِثْل كَوْنه مِثْل مَال الْيَتِيم , مَعَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ - الآيَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقّ الْوَعِيد مَنْ أَكَلَهَا أَكْلاً غَيْر مَأْذُون فِيهِ شَرْعًا , فَأَمَّا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِع مِنْهَا فَلا يَتَنَاوَلهُ الْوَعِيد. وَلِهَذَا كَانَ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَأْكُل مِنْهَا أَقَلّ الأَمْرَيْنِ مِنْ حَاجَته , أَوْ قَدْر عَمَله. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا - لإِذْنِ الشَّارِع فِيهِ.

وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ الْجَوَاب عَنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَام " فَإِنَّ التَّحْرِيم يَتَنَاوَل مَا لَمْ يَقَع فِيهِ الإِذْن مِنْ الشَّارِع وَلا مِنْ الْمَالِك , وَأَمَّا مَا أَذِنَ فِيهِ مِنْهُمَا , أَوْ مِنْ أَحَدهمَا , فَلَيْسَ بِحَرَامٍ. وَلِهَذَا يُنْتَزَع مِنْهُ الشِّقْص الْمَشْفُوع فِيهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ , لإِذْنِ الشَّارِع , وَيُنْزَع مِنْهُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ ضَرُورَة مِنْ طَعَام أَوْ شَرَاب , إِمَّا مَجَّانًا , عَلَى أَحَد الْقَوْلَيْنِ , أَوْ بِالْمُعَارَضَةِ , عَلَى الْقَوْل الآخَر. وَيُكْرَه عَلَى إِخْرَاج مَاله لأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق وَغَيْر ذَلِكَ.

وَهَذِهِ الصُّوَر وَأَمْثَالهَا لَيْسَتْ مُسْتَثْنَاة مِنْ هَذِهِ النُّصُوص , بَلْ النُّصُوص لَمْ تَتَنَاوَلهَا , وَلا أُرِيدَتْ بِهَا قَطْعًا.

وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر: " لا يَحْلُبَنَّ أَحَدكُمْ مَاشِيَة أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنه " فَحَدِيث صَحِيح مُتَّفَق عَلَى صِحَّته. وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ الإِمَام أَحْمَد فِي جَوَاز اِحْتِلاب الْمَاشِيَة لِلشُّرْبِ. وَلا خِلاف فِي مَذْهَبه: أَنَّهُ لا يَجُوز اِحْتِلابهَا لِغَيْرِهِ , وَهُوَ كَالْخُبْنَةِ فِي

آداب الطعام · الصفحة ٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

آداب الطعامص ٤٤