ثم ظلوا يتقهقرون حتى بلغوا أوائل القرن الرابع عشر للهجرة .. منزلة ليس وراءها هوان. كان العالم يرمق المسلمين الأوائل، كما يرمق السارون في الدجى مطالع الكواكب. أما اليوم، فهو يرمقهم كما يرمق السابح في القمم، قطعانا تتواكب في السفوح! .. ولئن كان الأسلاف الكبار قد تصدروا عن جدارة. فإن الأخلاف الصغار قد تراجعوا وذلوا عن جدارة كذلك!! الأولون سادوا يوم كانوا -أفراداً وجماعات- نماذج عالية أو مقاربة لما ينشده الإسلام من فضائل، ولما دعا إليه الناس من سيرة ومعاملة. والآخرون ضاعوا يوم اتخذوا هذا القرآن مهجورا، وانتسبوا إلى نبيه كما ينتسب الابن العاق إلى أبوة فذة، يحمل اسمها فخراً وادعاء، ثم يعاشر الأنام، فلا ترى في فعله إلا أحوال السوقة والصعاليك .. وحضارة الإسلام لا تغرى أحداً بالانضواء إليها، لأن لها كتاباً مصوناً وسنة ماجدة. وإنما يسمع لها ويؤخذ عنها، إذا كان لها مجتمع حى يقوم بها ويعيش عليها .. إن سطور الحق في بطون الكتب لا يميزها الناس عن الأساطير. ولكن الناس يعرفون الحق ويعجبون به، إذا رأوه منهاج أمة، وآمال ناشئة، وتقاليد جيل بأسره. يفرح ويحزن، وينكسر وينتصر، وهو مرتبط بها محسوب عليها .. وأمامى الآن رسالة كتبها الإمام " محمد بن على الشوكانى " الفقيه المحدث، الذى ولد من مائة سنة تقريباً، يصف بها حال المسلمين في قطره " اليمن ". والوصف الذى سنقرؤه هو لفساد لم يبرز إلى الحياة دفعة واحدة، بل تمخضت عنه أحوال ظلت قرابة مائتى سنة أخرى. أى أن التدهور الذى أصاب أمتنا بدأ من أربعة قرون، إن لم يزد!. ص _24 ص
ظلام من الغرب · الصفحة ٢٤٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ظلام من الغربص ٢٤٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي