ولا أجْبَنَ عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبْتَ ولكنك منافق ولأخبرَن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-" وموضع الاستشهاد هو قول الصحابي للمنافق "ولأخبرن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" فهذا من النصح للأئمة وليس من الغيبة".
وقال صاحب العمدة أيضاً: (وفي حديث عمر بن الخطاب في الرجم، ورد في سياقه أن رجلاً أتى عمرَ فقال له: (إن فلاناً يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلاناً فقال عمر: لأقومن العشية فأُحَذِّر هؤلاء الرهْط الذين يريدون أن يَغْصبوهم) رواه البخاري .. قال ابن حجر في شرحه: (وفيه جوازُ إخبار السلطان بكلام من يُخشى منه وقوع أمرٍ فيه إفسادٌ للجماعة، ولايُعَدُّ ذلك من النميمة المذمومة) فتح الباري.
وقال أيضاً: "لا تَعَارُضَ بين ما ذكرتُه آنفاً من إبلاغِ الأمير بأمرٍِ من يُحدِث فتنةً أو فساداً في الصف وبين حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُبَلِّغْني أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئاً، فإني أحب أن أَخْرجَ إليكم وأنا سليمُ الصدر" (1) ... فإن حديث ابن مسعود هذا هو الأصل، وقد أورده النووي في "رياض الصالحين" في باب "النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا لم تَدْعُ إليه حاجةٌ كخوف مفسدةٍ ونحوها" فالأصل هو النهي عن نقل أحوال الناس إلى ولاة الأمور، والاستثناء من هذا الأصل هو إذا دعت الحاجة إلى نقل أحوالهم لدرء المفاسد والفتن وكشف المُفسدين، وقد ذكرتُ أدلة هذا آنفاً).
بل قد قال ابن حجر: "ونقل ابن التين عن أشهب أنه ينبغي للحاكم أن يتخذ من يَستكشِف له أحوال الناس في السر، وليكن ثقةً مأموناً فطناً عاقلاً؛ لأن المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قَبول قول من لا يوثَق به إذا كان هو حسن الظن به، فيجب عليه أن يتثبت في مثل ذلك" (2).
والأفضل نصح الأمير سرّاً:
- ودليل ذلك ما رواه ابن أبي عاصم في كتابه "السنة":باب "كيفية نصيحة الرعية للولاة" ... قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم: ألم تسمع بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أراد أن ينصح ذي السلطان فلا يُبْدِه علانية، ولكن يأخذ بيده فيَخْلو به، فإن قَبِل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه" (3).
- وهناك دليل آخر على نصح الأئمة سراً، وهو ما رواه البخاري عن أبي وائل قال: "قيل لأسامة: ألا تُكَلِّم هذا؟ قال: قد كلّمْتُه ما دونَ أنْ أَفْتَحََ باباً أكونُ أولَ من يَفْتَحُه، وما أنا بالذي أقول لرجلٍ بعد أن يكون أميراً على رجلين: "أنت خير" بعد ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"يجاء برجل فيُطْرَح في النار فيَطْحَن فيها كما يطحن الحمار بِرَحَاهُ، فيَطيفُ به أهل النار فيقولون: أي فلان، ألستَ كنتَ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله" (4).
وقولهم: "ألا تكلم هذا؟ " وقع عند مسلم: "ألا تدخل على عثمان فتكلمَه؟ " وكان هذا سببَ ما أنكره بعض الناس على الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. قال ابن حجر: قوله "قد كلمته ما دون أن أفتح باباً" أي: كلمته فيما أشرتم إليه، لكن على سبيل المصلحة والأدب في السر بغير أن يكون في كلامي ما يُثير فتنة أو نحوها.
(1) 26 - رواه الترمذي وأبو داود وأحمد، وقال الألباني: ضعيف. "ضعيف أبو داود"، "ضعيف الترمذي"، "ضعيف الجامع الصغير"
(2) 27 - فتح الباري: 13/ 190.
(3) 28 - كتاب السنة ص521: ح 1096 لابن أبي عاصم ط: المكتب الاسلامي. وصححه الألباني في "ظلال الجنة".
(4) 29 - صحيح البخاري: 7098.