- وقال المأمون لمستشاره محمد بن عبّاد المهلّبي: أنت متلاف. فقال: يا أمير المؤمنين؛ منْعُ الموجودِ سوءُ ظنّ بالله. يقول الله تعال: " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين " قلت: سبحان الله؛ ما أروع هذا الردّ؟!
- فما أثرُ المعروف؟
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المعروف يقي مصارع السوء " وفي هذا المعنى يقول ابن عباس رضي الله عنهما: صاحب المعروف لا يقع، وإن وقع وجد متكأ. وهو الي يقول أيضاً: ما رأيت رجلاً إوليتُه معروفاً إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلاً أوليتُ سوءاً إلا أظلَمَ ما بيني وبينه.
- يقول جعفر بن محمد: إن الحاجة تعرض للرجل قِبَلي فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها، أو تأتيه وقد استبطأها فلا يكون لها عنده موقع. قلت: هذا بحق الكريمُ المفضال وقال الشاعر:
وبادر بسلطان إذا كنت قادراً --- زوال اقتدار أو غنىً عنك يُعقُب
ويمدح شاعرٌ رجلاً شهماً يعين إخوانه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً مغتنماً وجود المال قبل ذهابه:
بدا حين أثرى بإخوانه --- ففكك عنهم شباة العدم
وذكّره الحزم غِبّ الأمور --- فبادر قبل انتقال النعم
والمقصود بشباة العدم: حدّنه واذاه. وبدا بمعنى بدأ.
- وقال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئهم: رجلٌ بدأني بالسلام، ورجل وسّع لي في المجلس، ورجل اغبرّت قدماه في المشيِ إليّ إرادة التسليم عليّ، وأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله عز وجلّ. قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمرٌ، فبات ليلته بمن يُنزله، ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي.
- وقال ابن قتيبة: رَبُّ المعروف (تعهدُه وتنميتُه) أشد من ابتدائه. قلت: تمام الأمر من صفات الكمال. ويقال: الابتداء بالمعروف نافلة، وربُّه (إكماله) فريضة.
- وقيل لبُزُرجَمِهره: هل يستطيع أحد أن يفعل المعروف من غير أن يُرزَأ (يخسر) شيئاً؟ قال: نعم؛ مَن أحبَبْتَ له الخير وبذلتَ له الودّ فقد أصاب نصيباً من معروفك.