ولكني رأيت أنه لما جاء الطالبان قضوا على كل شيء، وأخرجوا كل شيء من هذه الأضرحة، وأغلقوا أبوابها ومنعوا زيارة القبور إلا الزيارات الشرعية، ومنعوا زيارة النساء مطلقاً للمقابر. وقد جئت في زمن الطالبان بعد أن أشيع في بيشاور أنهم عملاء أمريكا وأنا أيضاً كنت قبل أن أجيء أفغانستان كنت أقول من هم هؤلاء الطالبان؟ كنت أيضاً أظن إنهم عملاء أمريكا، وعملاء باكستان، وقد كان يقال عنهم أيضاً إنهم قبوريون مشركون وفئة خرافية أشعرية ماتوريدية، كل هذا قبل أن آتي إلى أفغانستان، ولما أتيت إليها جئت متخفياً لأني كنت أيضاً أخاف أن يقتلني هؤلاء القبوريون!، فدخلت متخفياً، ولكن اتُّفق أنني عندما جئت كان معي في هذه السيارة رجل معه طفل وطفلة وامرأة، ومعه كيس مملوء يشبه المتكأ أو الوسادة، فلما وصلنا إلى كابول وضع هذا الرجل الكيس أمام واجهة مطعم ثم أنزل ابنه وبنته وامرأته، ونزلت أنا أيضاً وسكنت في الفندق، وبِت هناك، وفي الغد مررت على ذلك المكان الذي فيه المطعم، فلاحظت أن ذلك الكيس الذي وضعه الرجل لا يزال في مكانه فقلت في نفسي: أليس هذا الكيس الذي تركه الرجل بالأمس؟ ولم أهتم كثيراً وقلت لعله غيره، ثم بعد يومين مررت فكان موضوعاً هناك، وبعد ثلاثة أيام وجدته موجوداً هناك أيضاً، وكنت قد نويت أن أمر على مزار " شاهد شامشيراه " وأنا أعتقد أن طالبان قبوريون، فقلت: سأرى ماذا زادوا في هذا المزار من الشركيات، فلما وصلت وجدت الباب مغلقاً وكان معي أربعة زملاء كلهم ملتحون من طلبة العلم، فطرقت الباب، فجاء رجل ذو شيبة وفتح، لكنه كان يُرى حزيناً أسيفاً.
البيان: عفواً ... ما أكملت فضيلة الشيخ ماذا حدث للكيس؟
الشيخ غلام الله: أنا آتيك بالحديث، لم أنسه، فالحديث مربوط ببعضه .. لما دخلت إلى الضريح، دخلت منتعلاً، وكان هذا أمر ممنوع، ولكننا دخلنا بالنعال غير مبالين، فظن الشيبة أننا من الطالبان فسكت، ودخلت إلى المزار فلم أرَ لوحات شركية ولا أي أشياء شركية لم أرَ إلا لوحة واحدة مكتوب فيها حديث: " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكِّر الآخرة "، مع لوحة أخرى مكتوب عليها: " من جاء إلى هذا القبر متوسلاً به أو مستشفعاً به أو مستمداً به فجزاؤه القتل "، ففرحت فرحاً شديداً، وقلت: هذا والله الأمر الذي كنا نطلبه من قبل، فخرجت أخاطب الشيخ الحارس، وقلت له: أين الزوار واللوحات وصناديق النذور، أين هي؟ فظن الرجل أنني قبوري حزنت على ما جرى للقبر، فقال: اسكت، هؤلاء طالبان لو سمعوا بك فإنهم يقتلونك، هؤلاء كفرة وهابية منعوا كل هذه الأشياء. ففرحت فرحاً شديداً، ثم نصحته بعد ذلك، فلما فهم أن رأيي من رأي طالبان حزن، وقال: نعم! هم يقولون مثل ما تقول. ثم ذهبت تاركاً المزار وذهبت إلى السوق فلم أرَ امرأة واحدة متبرجة، وقبل ذلك كانت كابول التي أعرفها، كان التبرج منتشراً فلما جاءت الطالبان منعوا كل هذا، ومنعوا النساء من العمل في الدوائر الحكومية كلها، في الأول أعلنوا أن كل أمرأة تعمل وتحصل على راتب ستعطى راتبها على أن تجلس في بيتها إذا كانت تربي أيتاماً. ورأيت أنهم منعوا الأغاني والفجور.
أمضيت في كابول أسبوعاً وبعده أردت أن أرجع من كابول، فجئت إلى الموقف الذي كان فيه الكيس عند المطعم فلم أجده، وأثناء انتظار السيارة، سألت صاحب المطعم: كان هناك من عدة أيام كيس هنا أين ذهب؟ قال لي: يا شيخ! لهذا الكيس قصة عجيبة. قلت وما هي؟ فقال: هذا الكيس لواحد من الرجال جاء من بيشاور بباكستان، وكان بيته في هيرات فلما نزل في كابل نسي الكيس وذهب، والبارحة جاء وأخذ الكيس، وكان الكيس موكأً ومربوطاً بخيط، فلما فتحه ظهر أنه كان مملوءاً بالفلوس، فمازحته وقلت: وأين كنت أنت طيلة هذه المدة، كنت ميتاً أو نائماً؟ فقال: يا شيخ! طالبان يمسكونني ما أحد يجرؤ على ذلك؛ لأن طالبان يختبئون هناك وينظرون من يمد يده بالسرقة فيقطعونها. هذا الأمر أيضاً رأيته.
فلما رجعت إلى بيشاور، ألقيت خطبة الجمعة، وقلت فيها: إن طالبان أحسن بكثير ممن كانوا قبلهم. فأُخبر بذلك بعض زملائي وقالوا: يا شيخ! كيف ألقيت الخطبة؟ فقلت لهم: على السُّنة وما فيها من الواجبات والسنن، قالوا: لا نريد هذا، لكن ماذا قلت عن طالبان؟ فقلت: الذي رأيتم، فقالوا: كيف تقول هذا وهم مشركون؟ قلت: والله شيء عجيب! كيف هم مشركون وقد رأيتهم منعوا المراكز الشركية، هم قضوا على الشركيات، هذا رباني نفسه رفع الراية لمزار شريف في عيد النيروز في عهد حكومته.
فقلت له: إذن هم فعلوا هذه الأشياء من منع المراكز الشركية، وأنتم ما فعلتم وقلتم إن الحكومة الإسلامية لا تأتي بطرق أوتوماتيكية، ولكنهم لما وصلوا فعلوا هذا الشيء؛ فكيف هم مشركون؟! ثم قلت: والله إن الإنسان في هذه الدنيا يحتاج إلى شيئين: إلى الأمن للتعايش في الدنيا، والإيمان للتعايش في الآخرة، وهؤلاء الطالبان وإن يقال عنهم في إيمانهم شيء، لكن والله جاؤوا بالأمن ونطمع ونتوقع أن يجيئوا بالإيمان أيضاً، أما أنتم فلم تجيئوا بالأمن ولا بالإيمان، هكذا قلت، فانتشر هذا الكلام بين المهاجرين والمجاهدين.
البيان: هل التقيت أعضاء من حركة طالبان وسمعت منهم؟
الشيخ غلام الله: نعم! أنا ذهبت إلى أفغانستان مرة أخرى، والتقيت ببعض الإخوة هناك فرأيتهم صالحين عقيدة وعملاً، فهذا محمد رباني الذي كان رئيساً للوزراء ومات رحمه الله التقيت به، وسمعت منه والله كلاماً عجيباً غريباً، فقد كان يريد أن يأتي بالحكومة الإسلامية في أفغانستان مئة بالمئة، ولأجل ذلك قضوا على مظاهر الفجور والفحشاء، وأيضاً على كل مظاهر الشرك، وقد بدؤوا بذلك في قندهار نفسها، فقد كانت هناك خرقة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قد جاء بها أحد الملوك اسمه أحمد شاه أبدالي، جاء بها من بخارى ووضعها هناك، كانت هذه الخرقة تُعبد بجميع أنواع العبادات، قولية عملية بدنية فعلية ومالية، كانت هذه الخرقة موضوعة على مشجب محفوظ وتحتها مكان مفرغ، كان الناس ينزلون تحتها ويطوفون حولها ويتمسحون بها ويتبركون، فلما سيطر الطالبان على قندهار، أخرجوا هذه الخرقة، وقالوا للناس: هذه الخرقة لا يوجد دليل على أنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لما كان هناك احتمال فنحن نحفظها، ولكن لا يجوز لكم أن تطوفوا بها وتتمسحوا بها وتصلوا إليها. فمنعوا ذلك وحفظوها في مكان آمن.
الشاهد أني ألتقيتهم فوجدتهم أخي الكريم بحسب ما أرى صالحين، والله أنا ما بايعت طالبان، ولا عملت معهم ولا جاءني إلى هناك أحد منهم، ولكني أقول الحق؛ لأن المسلم لا بد أن يتكلم بالحق ولا يُفرِّط ولا يُفرِط؛ فالناس في مواقفهم من الطالبان بين الإفراط والتفريط، بعضهم قالوا إنهم كلهم سلفيون سلفية محضة، وهذا خطأ، وبعضهم قالوا كلهم مشركون. وهذا والله كذب، فحسب ما رأيت الطالبان والتقيت بهم رأيتهم فيهم ثلاثة أصناف:
الطبقة الأولى: والأكثرية حنفيون تعلموا في المدارس الديوبندية، ولهم تركيز على التوحيد في الألوهية والربوبية، وأما في الأسماء والصفات فهم أشعرية ولكنهم غير متعصبين، وقد ناقشت بعضهم في بعض مسائل التوحيد في الأسماء والصفات، وقلت: كيف تركتم مذهب أهل السنة والجماعة وتركتم مذهب أبي حنيفة في العقائد وأنتم تقولون إنكم حنفية في الفروع، هل أساء أبو حنيفة في الأصول فتركتم عقيدته؟ فكانوا يضحكون ويقولون: هكذا علمنا أساتذتنا، وقال بعضهم: هذا الإمام ابن حجر العسقلاني أليس أشعرياً؟! قلت: نعم. قال: هل تكفرونه؟ قلت: لا، قال: هذا أيضاً الإمام النووي كان أشعرياً، هل تكفرونه؟ قلت: لا، فالذي فهمته أنهم كانوا غير متعصبين وغير داعين إليها، وكانوا يحبون السلفية.
والطبقة الثانية: والله هم سلفيون، وأعرف منهم عبد الوكيل متوكل وزير خارجية طالبان، وهذا ابن الشيخ عبد الغفار وهذا الشيخ قتل بتهمة الوهابية، قتلته الحكومة الأفغانية الشيوعية في المطار لما رجع من الحج، قتلوه وقالوا: إن لك علاقة مع الوهابية، وأسرة عبد الوكيل أسرة سلفية وأنا أعرفهم منذ أربعين سنة، وهكذا يوجد آخرون أيضاً، منهم واحد اسمه عبد الرقيب وهو خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، هذا عقيدته سلفية، وكان وزير المهاجرين وأيضاً أحمد جان، وهو أيضاً سلفي وأنا أعرفه وكان وزيراً للمعادن والصنايع وكثير منهم هكذا.
والطبقة الثالثة: يوجد فيهم من هو صوفي، ولا أريد أن أسمي أحداً منهم حتى لا أسبب خلافاً، ولكن هؤلاء قِلة، هذا حسب ما أرى وأعلم من الطالبان، وهذا الذي أدين الله به.
البيان: مصطلح الديوبندية، هل تلقون ضوءاً حوله؟
الشيخ غلام الله: في الهند منطقة اسمها " ديوبند " كان بها مدرسة كبيرة أسسها بعض العلماء واشتهرت ب " المدرسة الديوبندية "، فكل من يتخرج من هذه المدرسة يسمى ديوبندياً، وهم أحناف ولكن فرق بينهم وبين عامة الأحناف، يعني عامة الأحناف فيهم بيرلورية أيضاً، وهؤلاء الديوبنديون مخالفون أشد الخلاف للبيرلوريين إلى حد التكفير، وهم لهم تركيز على توحيد الألوهية ويعارضون القبورية وأكثر الديوبندية ماتريدية، فهذه هي الديوبندية ومن تلاميذ مدرسة الديوبندية كان هناك واحد من المشايخ اسمه عبد الحق، ديوبندي وهو في بيشاور وله مدرسة هناك باسم المدرسة الحقانية على اسمه، وكان عالماً كبيراً تدرس عليه كتب الحديث كلها، وهؤلاء الطالبان أكثرهم تخرجوا من هذه المدارس وأما الملا عمر، فهو ليس ديوبندياً ولا حنفياً؛ لأنه يعتقد الإجمال بجميع ما جاء به نبي الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تبارك وتعالى، هكذا يؤمن ويعتقد، وأما إذا استفصلت منه، فربما لا يعرف الماتوريدية ولا الأشعرية، وهو كان يعلن في كلامه ويقول: أنا أريد إقامة الحكومة التي أقامها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينة طيبة، وهي حكومة الكتاب والسنة. هكذا يقول. وهو ليس عالماً ولكن يعمل بما يفتي به العلماء، ويقول: العلماء يفتون وأنا أعمل وأطبق ما يفتون به. فهو ليس صوفياً ولا ديوبندياً ولكنه يحب السلفية وإن كان غير عالم بتفاصيلها.
البيان: ولكن هل تشعر بأنه صادق في كلامه ومواقفه؟
الشيخ غلام الله: والله يا أخي هو صادق عابد زاهد، والله إنه ليس من أقاربي ولا من أنسابي ولا درس عندي ولا درست عنده، وليس من قريتي ولا من بلدتي فهو من روزجان وأنا من قندز، والله حينما رأيته ظننت أن هذا الرجل مسلم بالإسلام، وزاهد بالزهد، إذا توزع زهده وتقواه على كثير من أمثالي لوسعهم، هذا ما رأيته عليه، فهو زاهد عابد، إذا تكلمت معه فقط يذكر الله ويدعو الله: يا الله .. يا الله .. اللهم انصرنا .. وما النصر إلا من عند الله .. ويردد مثل هذه الآيات .. إذا وقعت له مشكلة يكثر من الصلاة.
البيان: حدثتنا عن العلامات والدلالات الإيجابية عن تجربة طالبان، فكيف ترون الأمور السلبية في مقابل الإيجابية؟
الشيخ غلام الله: أنتم تعرفون أنه ليس هناك في هذا العصر من ليست له سلبيات قط، حتى في عهد صدر الإسلام كان في المجتمع سلبيات؛ وأما ما أتى به طالبان فمصالحهم وإيجابياتهم أكثر وأكبر من سلبياتهم؛ لأني والله ما سمعت أن ملكاً من الملوك أتى في أفغانستان بتطبيق الشريعة كما طبقها هؤلاء الطالبان؛ فهذا القضاء على التبرج مثلاً كان من غير الممكن في الأفغانيين، خصوصاً في كابل، وكان متعذراً عند الناس، ولكن أتى به الطالبان والحمد لله، وهذه القبور ... ما حدث والله انقلاب كبير؛ لأن الأفغان أكثرهم جهال، ليس لهم علم، فإن كانوا يُعذرون بالجهل فهذا أمر، وإلا فأكثرهم لا يعرفون شيئاً، ما من قرية في أفغانستان إلا فيها قبور تعبد من دون الله، ولكن الحمد لله هم استطاعوا أن يحاربوا ذلك وقت حكمهم، ولعلكم سمعتم عندما استولى تحالف الشمال على مزار الشريف، واحد من الصحفيين سأل واحداً من هؤلاء أصحاب المزار وقالوا: كيف الحالة في المزار الآن، هل الحال الآن أفضل أم الحال في عهد طالبان؟ فقال: ما تقول: أيها الأخ؟ أتدري ما حدث؟ اليوم يوم العيد لنا. قال: كيف ذلك؟ قال: لأسباب عديدة، منها أنك ترانا ندخل المزار، وهؤلاء الكفرة منعونا خمس سنوات من الدخول إلى هذا المشهد، والآن والحمد لله، ترانا الآن رجالاً ونساءً ندخل إلى المزار مختلطين، والسبب الآخر لفرحنا أنك الآن لا ترى من يمنعنا من حلق اللحى، بل الناس يقفون أفواجاً لحلق لحاهم، وسبب آخر: هذه النساء المظلومات كُنَّ مسجونات منذ خمس سنوات.
ومع هذا نقول: لعل فيهم أخطاء، أخطاء سياسية، أخطاء دينية، ليسوا معصومين ولا نقول إنهم سلفيون مئة بالمئة، فحتى السلفيون الذين يعدُّون أنفسهم سلفيين ويشيرون إلى أنفسهم أنهم سلفيون، لهم سلبيات، نحن أسسنا هناك في كونار جماعة سلفية، كان فيها خير كثير ولكن كان فيها سلبيات، كان عندنا قبور فما استطعنا القضاء على بعضها، وكان عندنا تجارة مخدرات وما استطعنا القضاء عليها، كان هناك من علمائنا من يشربون الدخان، فلا نستطيع أن نقول إن هناك حكومة إسلامية تقضي على كل شيء سلبي، فالكمال لم يحدث حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فكيف تفعله طالبان بعد انتهاء القرن العشرين؟
البيان: أشيع في الإعلام الدولي أن الشعب الأفغاني كان مكرهاً أو كارهاً لحكم طالبان، ووصف بعض القادة الكبار في تحالف الشمال حكم طالبان بأنه كان بمثابة " كابوس " على الشعب الأفغاني؛ فما تعليقكم؟
الشيخ غلام الله: هذا الكلام من وجه صحيح، ومن وجه آخر غير صحيح؛ فمثلاً الذين اضطروا لإبقاء لحاهم خوفاً كانوا غير فرحين لطالبان، والنساء المتبرجات كن غير فرحات بطالبان، والذين كانوا معتادين على شرب الخمر أو كانوا شيوعيين فكانوا أيضاً غير مؤيدين. أما عامة الشعب فكانوا يحبون طالبان، فأكثر الناس على هذا كانوا راضين عن طالبان.
وأذكر لكم أن الملا عمر جمع الناس بعد القصف بثلاثة أيام وقال لهم: يا أيها الناس! إن كنتم مللتم من هذا القصف فإنه سوف يشتد أضعاف أضعاف ما رأيتم، فإن كنتم مللتم من هذا، سأسلم نفسي لهذا الكافر الغاشم بوش حتى أرفع عنكم هذا البلاء والقصف، فكل الناس أجابوه بصوت واحد: لا. وقالوا: والله لو بقي منا رجل واحد لما تركنا مقاومة الأمريكان، فهذا شعور عامة الناس، ولا عبرة بالفساق وأصحاب الفجور والقبور.
البيان: مما يأخذه بعضهم على طالبان، أنها لم تشرك في حكومتها عناصر من القوميات أو العرقيات الأخرى غير البشتون؛ فما رأيكم في هذه المسألة؟
الشيخ غلام الله: هذا الزعم، هو إما أن يكون ممن يجهل أحوال أفغانستان وأحوال طالبان، وإما أن يكون ممن يريد العناد والتشويه لسمعة طالبان؛ فطالبان من جميع المسلمين في أفغانستان من جميع القوميات والجنسيات، نعم أكثرهم البشتون؛ لأن سكان أفغانستان 65% من البشتون، فطبعاً يكون البشتون أكثر، فإن يريدوا أن يقولوا إن البشتون أكثر فهذا صحيح، وأما إذا قالوا إنه لا يوجد في صفوف قادة طالبان إلا البشتون؛ فهذا كذب محض.
البيان: انزعج الناس من الانسحابات المتتالية لطالبان بدءاً من مدينة مزار الشريف ثم كابول ثم هرات وقندز وغيرها، فقد أشاع الإعلام أن هذا ضعف واستسلام وهزيمة؛ فهل هناك تفسير آخر غير هذا التفسير الشائع؟
الشيخ غلام الله: ليس هناك ضعف؛ لأن كل هذه الانسحابات لم يقع قتال بينهم وبين قوات الشمال حتى يقال إنهم أخرجوهم، هم خرجوا بأنفسهم، ولهذا فقد أصبحوا هم وأمريكا محتارين، ويتساءلون: أين هم طالبان .. أين اختبؤوا؟ صحيح أنه وقع هناك قتلى ومصابون، منهم ومن أعدائهم، ولكن طالبان ليس عندهم الآن إعلام حتى يعلنوا الحقيقة؛ فالإعلام الذي ينشر الآن كله من أعداء طالبان وأعداء المسلمين، وعندما تسمع من نفس الطالبان أنفسهم فهناك أمر واضح يعرفه الأعداء والأصدقاء أن الطالبان لا يكذبون، أما هؤلاء الأعداء فإنهم يكذبون.
البيان: نشكر فضيلة الشيخ غلام الله على تلبيته دعوة " البيان " لهذا الحوار، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنه خالص الأعمال وصادق الأقوال، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[مجلة البيان | السنة السادسة عشرة | العدد 170 | شوال1422 هـ]