تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نسيتُ شكل أبي مع الأيام وبقيتْ أمي تحفر صورتها في مخيلتي. كيف تشتري حاجات نساء المبنى، كيف تحمل أكياس القمامة، وكيف تشطف الأدراج، وكيف تحوك الثياب، وكيف.. وكيف.. كبرنا على حساب تعبها. وأبتْ تعليمنا إلاّ في مدارس أجنبية. تضحك أمي من لكْنَتِنا لكنّها تضّمنا دائماً كمن يحتفي بجائزة عالمية. ومن حظّنا كان الجمال يتوّجنا كل يوم في أعين العابرين والمقيمين في مبنانا، لدرجة جعلت أمي لا تغادرنا لحظة، خاصة أختي ميس التي تصغرني بثلاث سنوات.

ميس الغندورة، هكذا كان لقبها، يندى الورد لو مرت ميس قربه. إنها قصيدة تمشي على قدمين. وكي تحافظ أمي عليها أكثر أدخلتها معهداً لتعليم رياضة (الكراتيه) مما جعل كل فتيان وفتيات الحي ينتسبون إليه.

وأمي التي تسأل البحر كل يومٍ عن سفينة ينعقُ فيها بوم الغياب وتأخذُ الأمواج دموعها لتضفي على البحر ملوحة الحزن، ثم ترمي بصوتها إلى صخور اليأس، ويعود الزبد حاملاً معه هلام الذكرى.

أمي ما كنتُ أظنُ بعد هذه السنين أنكِ أقوى من النسيان.

يكفي نداء عليه وإن عاد فماذا سيضيف لنا سوى نميمته المتأصّلة.

يذهب إلى الغرب ويعود حاملاً قصصاً لا تعني أحداً منا سوى تمضية ساعات من الزمن يتثاءب القمر فيها على سرد حكاياته.

ـ بيروت ونيسان عاشقان منذ طفحتْ خدود شواطئها بحمرة الشمس بيروت ونيسان لوحة لا تقاوم مشاهدتها كل صباح ومساء.

يتململ فيك الحزن حتى ترميه وتهرع إلى مصاحبتها بحثاً عن مضاجعة وقت لا يملّك.

في منتصف التأمّل، وأمي ترتّب بكاءها على شباب مضى، يعلن التلفاز عن وصول سفينة من البرازيل بعد خمسة عشر عاماً.

ينزل والدي سلّم السفينة مرتدياً بدلة بيضاء ويحمل حقيبة دبلوماسية سوداء وفي يده الأخرى قبعة تقول: إنه رمى تاريخه في عَرض البحر قبل أنْ يغادر.

صرختْ أمي: إنه هو والدكم. تسمّرتْ أمام التلفاز الذي يعرض كبار المستقبلين وتعليق المذيع عن تاجر البن الكبير العربي الأصل الذي يزور بيروت بعد غياب طويل.. والذي سيدعم الاقتصاد المحليّ بمشاريع كبيرة.

انهارت أمي على أريكتها الصّبورة لا تدري ما تفعل..

هل تبكي أم تضحك، كل ما فيها يهذي، إلى أن حالفها الإغماء واسترخت. نظرتُ إلى ميس، كانتْ تقيسُ بشغب مقدار الشوق في حركات أمي وتُلقي بعض التعليقات بدهشة حيناً، وبفضول أحياناً.

وكانت تراودني دموع ثم تختفي دون إرادة مني، فأنا لا أقوى على ترجمة مشاعري إلا بالهروب.

روايات · الصفحة ٨٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٨٩٦