-أتظنين أنه يبغي الزواج منها حباً بها أو تشرفاً بنا؟ تكونين مخطئة إذا ظننت ذلك، فمنذ متى وبيوت الأعمام يعتبروننا بمستواهم كي يخطبوا لأحد أبنائهم شماء. لقد كانوا ينظرون إلينا دائماً نظرة قرف وتعال. حتى إنهم لم يفكروا ولو مرة خلال السنوات الماضية بإقامة علاقة معنا. والآن وبعد أن تخرجت شماء وأصبح من الواضح أنها ستحصل قريباً على وظيفة، رأوا فيها كنزاً هم أحق من الغريب فيه. وأستطيع أن أقسم بأنها لو لم تتعلم لما تحرك أحد منهم لخطبتها لأن الزواج منها حينذاك لن يشرفه، فأهلها فقراء وأبوها عاش عاجزاً وأخوها ليس بالعاقل والمسؤول.
ثم تنهدت بأسى وكأنها نكأت وجعاً بداخلها، واستطردت.
-ولو اعتبرت أن كل ذلك أكيد، وأن ابن عمها سيتخلى عن مرتبها، فببساطة وضعه المالي لن يسمح له بذلك، فهو معلم مدرسة وأجره الشهري لن يكفي لإعالة أسرة. أما ذلك الشاب فهو طبيب ويجني من النقود ما يغنيه عن مرتب شماء، وستعيش معه معززة مكرمة.
تألقت عينا شماء وشع البريق فيهما بعد أن أطفأه طيف من الحزن. فكل ما قالته عائشة صحيح وقوي لن تستطيع الأم دحضه. وصمتوا جميعاً.
ثم سألت الأم بقلق:
-وكيف سنقنع العم إبراهيم؟
ردت عائشة بيأس:
-إذا اقتنع سيكون ذلك جيداً. وإذا لم يقتنع فلا حول ولا قوة.
قالت ذلك بأسى وهي تدرك بأنه ما من خيار آخر أمامهم.
في الصباح الذي تلاه لم تسأل الأم ولم تبد أي احتجاج حين جهزت شماء نفسها وانطلقت للمدينة القريبة. غابت حتى الظهيرة وعادت. ولاحظت مريم السعادة الكبيرة على وجه أختها. وفرحت لذلك، فقد كانت متضامنة معها قلباً وقالباً، لكنها لا تملك القدرة على فعل شيء واكتفت بمراقبة الأمور وتطوراتها وبداخلها أمنية صادقة أن تنتصر شماء وينتصر حبها.
وسرعان ما صرحت شماء لمريم وفاطمة أن الأمور في هذه الليلة قد تأخذ مجرى آخر. فانتظرت مريم المساء ولم يطرق بابهم ولم يأت أحد لزيارتهم. ما الذي سيحدث؟ لم تفهم ولم تدرك الأمر إلا عندما حضر قاسم في وقت متأخر من المساء وتبين آنئذ أن شماء كانت تنتظره بقلق. جلس فترة قصيرة صامتاً ثم قال:
-كنت الليلة بصحبته، إنه في الحقيقة شاب لطيف وأعجبني.
ازداد البريق في عيني شماء التي كانت تتفرسه لكنها تخجل من إبداء الأسئلة، فراحت تنصت إلى كلامه بتشوق ظاهر. واستمر قاسم:
جاءني بعد الظهر، وقال إنه يود الحديث معي في مكان هادئ، فاتفقنا أن نلتقي مساء.. والتقينا..