-على كل حال هو شاب جيد وذكي، ثم إنه طبيب وأحواله المالية ليست سيئة، لذلك لا أعتقد بأن العم إبراهيم سيرفض. فلا تقلقي.
كلام عائشة طمأن شماء وأعاد إليها الحياة سريعاً.
في اليوم التالي توجهت الأم وعائشة وقاسم إلى بيت العم إبراهيم، وبعد أن شرحوا له الأمر. أخذ نفساً من نارجيلته مما جعل الماء في القارورة يضطرب وكأنه يغلي مُحدثاً قرقعة عالية طغت على الصمت الذي ساد. ثم نفث الدخان من فمه فشكل غيمة صغيرة أخفت معالم الوجوه الصامتة هنيهة. ووجه سؤاله إلى قاسم:
-من أي عشيرة قلت؟
فذكر قاسم للمرة الثانية اسم عشيرة الشاب.
قال العم وقد أضفى على نبرته وقاراً:
-لا يخفى على أحد أنها عشيرة صغيرة ليست ذات أصل يذكر، جاء أجدادنا إلى القرية من دول عربية أخرى بعد أن شردوا من بلادهم. وإنه لمن العار علينا نحن أبناء العشيرة الكبرى في القرية أن نزوج ابنتنا لأحد من أبنائهم. وبالذات حين تكون هذه الفتاة شماء الحاصلة على الشهادة الجامعية. صحيح أنها من عائلة فقيرة، لكنها ابنة عشيرة ذات أصل.
وصمت قليلاً ثم أردف: -فلننتظر بعض الوقت، لابد أن يتقدم شاب من أقاربها يكون أهلاً لها.
كان كلام العم واضحاً ومحدداً فاكتفى به وأخذ نفساً آخر من نارجيلته وهو يشعر بأنه قد بت في الأمر برأي حكيم مؤكداً من جديد وفاءه لأصله ولموقعه كأحد وجهاء العشيرة.
لم يناقشه قاسم، فالأمر لا يعنيه كثيراً، وسارعت الأم لتأييده. أما عائشة فقد أربكها موقفه، وصمتت كونها لم تتعود أن تخالفه بشيء.
استقبلتهم شماء في الباب. واستعجلت عائشة لسرد ما جرى. وما إن علمت بموقف العم حتى ثارت بعصبية:
-أي كلام سخيف هذا. يقرأ في اليوم كتابين وبرغم ذلك لم يحدث أي تطور على فكره فتبقى العشيرة والأصل وكل هذه المفاهيم البالية هي التي تحركه! فليعلم أنني لن أتزوج أحداً من أبناء عشيرته تلك، وليذهب معها إلى الجحيم. ثم إنني اتفقت مع ذلك الشاب ولن أتزوج غيره، فهو شاب مثقف ومهذب ويحترمني وهذا كل ما يهمني.
لم تفهم الأم الكثير من كلام شماء، لكنها وبحركة سريعة قامت من مكانها ووضعت يدها على فم شماء قائلة:
-اخرسي ولا تجرئي على إعادة هذا الكلام.
وكررت جملة شماء باستنكار –"اتفقت معه"! هل تريدين الفضيحة لنا، وأنت التي نعلق عليك كل آمالنا؟ سيلحقنا العار بسببك، بعد أن عشنا الحياة مستورين.
لكن شماء أزاحت يدها بحدة وقالت:
-العار بالنسبة إليّ هو أن أتزوج شخصاً لمجرد أنه ابن عشيرتي.