تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-لا يا أمي، قلت لك من قبل إن السكن مزود بتدفئة مركزية.

كانت شماء قد شرحت للأم عدة مرات من قبل عن مبدأ التدفئة المركزية إلا أن ذلك لم يقنعها أبداً، إذ كيف يمكن لمواسير حديدية يجري فيها ماء ساخن أن تدفئ سكناً ضخماً يضم كثيراً من الغرف، دون وجود نار أو وهج أزرق، لهذا كانت في كل مرة تحضر فيها شماء تسألها عن البرد هناك وتحملها الكثير من النصائح. ثم تعيد الأسئلة نفسها: كيف يسخنون الماء، ومن أين لهم بكميات المياه هذه، وما شكل المواسير … الخ. وكانت شماء تجيبها بطيبة وبصبر شديد.

قامت الأم من مكانها إذ ذكرها البرد بموضوع آخر، فسألتها شماء:

-إلى أين؟

-سأحضر شيئاً من الأعشاب لتأخذيه معك. أخاف أن أنسى ذلك غداً.

-لا داعي يا أمي، فلدي الكثير منها هناك.

-لا يهم فالكثرة خير من النقصان، قد تصابين بالبرد فتغلينها وتشربينها، وستشكرينني على ذلك، وإذا زاد شيء عن حاجتك فأعطي صديقاتك ولا تبخلي.

لم يكن بمتناول يد الأم شيء آخر تحمله لابنتها في مدينة غريبة. وحين فتحت الأم الباب واجهتها عاصفة غبار، فقالت شماء:

-أرجوك، أغلقي الباب واجلسي، وأعدك بأن أذكرك أنا بذلك غداً ثم اطمئني، فالسكن الذي أعيش فيه دافئ جداً لدرجة أننا ننام بقمصان نوم خفيفة ولا نصاب بالبرد، ولا نأبه للعواصف التي تهب في الخارج، وحين أخرج إلى الجامعة والشارع أرتدي الملابس الدافئة.

ويصبح الخارج مدخلاً لحديث آخر وأسئلة أخرى عن موقع السكن والغابة التي تحيط به. فتسأل مريم:

-ألا يخيفك منظر الأشجار في الليل؟

-بعض الشيء أحياناً، لكن وجودها مفيد، فهي تحد من سرعة الرياح.

ثم تروح من جديد تحدثهم عن غابات العاصمة وهضابها، وكيف أنها ما زالت تخاف الذهاب إلى بعض الأحياء التي تقوم على جبال مرتفعة.

ويستند الأب ليشارك في الحديث قائلاً:

-لقد زرت من قبل تلك المناطق في فلسطين، فهي أيضاً مليئة بالهضاب والغابات وقد كنا أحياناً نمضي ليالي بطولها سائرين على الأقدام في تلك الغابات حينما كنا نحارب.

بيد أن الأم تقاطعه قبل أن يسترسل في الحديث عن تلك الأيام مدعية أنها سمعت تلك القصص مئات المرات.

أما مريم فكانت تستمع إلى حديث أختها بإصغاء شديد كي تختزن كل تلك القصص والمشاهد في ذاكرتها لتعيد فيما بعد في مدرستها سردها لصديقاتها، مضيفة إليها ما يحلو لها من خيالها، رافعة بذلك نظرها ورأسها عن الأرض ليخترق سقفاً منخفضاً يجثم فوقه.

روايات · الصفحة ٨٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٨٥٦