استلم قاسم المبلغ من أمه وخرج سريعاً، توجه إلى غرفته ومكث هناك قليلاً ثم خرج. وفي وقت متأخر من المساء جاءت زوجته تسأل عنه فطمأنتها شماء بأنه سيعود حتماً في وقت متأخر. مضى الليل وحل الصباح ولم يأت. حينها بدأت الأم تقلق وخرجت هي وزوجته تبحثان عنه. ولم تمض ساعة حتى عادتا.
بقيت زوجته التي كانت حاملاً بطفلها الثالث في باحة الدار تروح وتجيء، تولول وتكيل الشتائم لهم جميعاً، وتهدد بطلاق عائشة، أما الأم فدخلت الغرفة وبانفعال واضطراب شديدين قالت:
-لقد هرب! هرب إلى دولة عربية مجاورة!
شعرت الفتيات بالمصيبة وقد سقطت على رؤوسهن جميعاً، سألت شماء بتوتر:
-كيف ذلك؟
-أجابت الأم:
-كيف، كيف، حصل على النقود وسافر، لقد توقعت أن يفعل فعلة بهذه النقود، لكنني لم أتوقع أبداً أن يسافر.
فاستعلمت شماء مرتابة:
-وممن علمت. قد يكون الخبر كاذباً.
-لا، الخبر صحيح، أعلمنا به أحد معارفه، فقد رآه في الأمس يركب سيارة نقل خارجية.
-ولم يقل له شيئاً، لماذا سافر مثلاً ومتى سيعود؟
-لا، لم يقل شيئاً.
تساءلت فاطمة بقلق.
-ومتى سيعود؟
فأوشكت الأم على البكاء وقالت بصوت متهدج:
-من أين لي أن أعرف، وهل يعرف أحد هل سيعود أم لا؟! ففي المرة الأولى حين سافر وعدنا أن يكون على اتصال بنا وأن يمدنا بالنقود كلما توافرت، لكنه غاب سنين لا خبر ولا نقود. وهذه المرة، لو كان سيعود لأخبرنا بسفره، أو على الأقل لأخبر زوجته، لكنه ببساطة هرب، -وبدأت تبكي- هرب من أهله ومن أسرته، ليعيش حراً طليقاً بعيداً عنّا جميعنا وفي حل من همومهم، يا إلهي، أية مصيبة أوقعت بنا!
ولم تتجرأ الأم إلا على التوجه إلى الله معاتبة باكية:
-لماذا لم تسمع دعواتي ورجائي، وتأخذ بيده فتهديه، أي ذنب اقترفته في حياتي كي تعاقبني بهذا الابن!
ساد صمت كئيب في الغرفة، فقد كان الحدث /المصيبة أكبر من أن يناقشنه، فيما استمرت شفتا الأم تتحركان وكان صوتها قد اختفى.
بقيت زوجة قاسم تدخل غرفتها ثم تخرج لتكيل الشتائم في حين، وتقارن في حين آخر. فابنهم قد هجرها في ليلة ظلماء، في الوقت الذي يبني فيه أخوها بيتاً لابنتهم، وراحت تتوعد، فهي لن تسمح لعائشة بالعيش في البيت الجديد، وستكون وراء طلاقها، لتسكن هي في ذلك البيت.