تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الطفلان يأكلان بنهم شديد فبدا لمريم أنهما يعانيان من جوع تاريخي لا يشبع. وكانت طريقتهما في الأكل مقرفة، فكانا يحاولان بأيد قذرة أن يجمعا أكبر قدر ممكن من البيض المقلي في لقمة واحدة وكأنها فرصتهما الوحيدة للأكل، فيتناثر البيض الذي يزيد حجمه عن حجم الخبز المحمول عليه ليتساقط وهو في طريقه إلى الفم في الصحون الأخرى. وكانت أعراض الزكام الذي لا يشفون منه أبداً في الشتاء وفي الصيف أحياناً ظاهرة عليهما جيداً، فكانا يستنشقان أنفاسهما بين اللقمة والأخرى ساحبين معها إلى الداخل كمية من المخاط الأصفر الذي ما يفتأ ينحدر من جديد باتجاه الفم.

فقدت مريم الرغبة في إكمال طعامها وقامت فقالت الأم:

-أكملي طعامك.

-لقد شبعت!

ظهرت على وجه قاسم ابتسامة خبيثة، فعدل من جلسته مستغلاً مكانها ومفسحاً مساحة أكبر لطفليه. أما هي فجلست في الخارج على طوبة مسندة ظهرها إلى جدار غرفتهم الطيني، شادة بيديها ملابسها على بعضها تفادياً لتسرب الهواء البارد إلى جسمها، ملقية برأسها إلى الخلف، فبدا وجهها لامعاً نتيجة ما وضع عليه من الفازلين عندما واجه الشمس، وظهر بريق في عينيها حينما ركزت نظرها على قرص الشمس المشتعل محاولة استيضاح معالمه، لكنها سرعان ما أسبلت جفونها خوفاً من زوبعة الغبار التي أثارتها الرياح الشرقية.

-4-

كان قاسم قد عاد للقرية قبل خمس سنوات بعد أن سافر للخارج تاركاً المدرسة في محاولة للحصول على عمل، أمضى هناك عدة سنين منتقلاً بين الدول العربية المجاورة، ليعود أخيراً ومعالم الكبرياء تعلو وجهه برغم أنه كان يجرجر أطراف الفشل.

فرحت الأم كثيراً لعودته. فهو ابنها البكر والوحيد بين أربع فتيات تكبرهن عائشة، وهي على قدر كبير من التعقل، وكانت بدورها قد تركت المدرسة بعد أن سافر قاسم لتتفرغ لعمل الخياطة الذي كان يجني للأسرة دخلاً قليلاً يساعدها على العيش بالإضافة إلى الدخل السنوي الذي يحصلون عليه نتيجة تضمينهم للأرض الزراعية التي يملكونها. أما شماء فقد كانت تقضي وقتها في أحد الصفوف الأخيرة في المدرسة، وفاطمة تصغرها بثلاث سنين لتتلوها مريم وهي الأصغر في الأسرة.

قالت الأم فرحة:

-من الأفضل أنه عاد، فالرجل نفسه في البيت ضروري-متناسية وجود الأب.

ردت عائشة:

روايات · الصفحة ٨١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٨١٨