أجل... هل تظن أن الذين يُقدمون على الانتحار لا يخافون من الموت
كلا يا صاحب الحقيبة، فهم أكثر الناس خوفاً من هذا المجهول على حد علمهم فمن تضخم هذا الرعب في نفوسهم، وبشاعة إحساسهم بالعجز واليأس تجاه هذا الغريب والشبح الذي يتربص بهم، إحساسهم بالعجز هذا، هو نفسه ما يدفعهم بقوة عمياء لا واعية إلى الوقوع في صميم الموت، اختصاراً للطريق المعبد بالعذابات، وتوفيراً للمطاردة والفرار الذي لا يجدي، وكذلك يفعلون.
وأما البعض منهم، وهم المؤمنون العارفون، الذين يعملون لدنياهم وعيونهم تهتك غشاوة العدم إلى حيث يرحلون فيحلون بسلام آمنين.
أولئك الذين يستمدون حياتهم من نور الله، فلا يخافون ولا يسأمون، في شعاب الزمان يدرجون لرفد الحياة بالفعل النبيل، يسعون لعمارة الدنيا، مع علمهم أنهم لم يخلقوا لأجلها وإنما هي التي خلقت من أجلهم.
تجدهم حيثما تذهب، إن كنت لابد ذاهب لأماكن الشرف.
في الحقول البعيدة يحرثون ويزرعون، وفي ساحات الوغى والزود عن الكرامة والشرف، يتدافعون تدافع الأبطال يقاتلون عدوهم عدو الله والوطن فينتصرون بإذن الله، ومنهم من يستشهدون سلامٌ عليهم... سلامٌ على الشهداء إن هم إلا أحياءً عند ربهم يرزقون.
هؤلاء هم دائماً، تجدهم حيثما تطلبهم، في الطرقات يعبدونها لراحة الناس، في الجسور والكباري يمدونها للتواصل، في المصانع ينتجون ويصنعون، في المشافي والمختبرات، في المدارس والجامعات، وفي البواخر الكبيرة والطائرات، في المراعي الجميلة يسرحون ويمرحون، وفي بيوتهم في المدائن والقرى يسكنون لأزواجهم، فمنهم الساكنون.
ياصاحب الحقيبة...
ما الموت إلا سبيلاً للحياة، ما الموت إلا خلاصاً وانعتاقاً لهذه الروح من قوانينكم هذي... قوانين التراب، من سجون أبدانكم هذي.. سجون الألم والعذاب.. فالموت مطلب الروح... أجل الموت مطلب الروح وعدو الجسد.
لربما تموت يا صاحب الحقيبة على كوكب الأرض، أو على سطح القمر.
فأنت ميت على كل حال، وأنت حي في كل حال.
وقيل خُلقتُ لأنظر إليك من بعيد، وأنا شحاذ المدينة، أقف في الركن المعتم من الكون.
ثيابي لاتدفع عني الزمهرير والصقيع، ولا تحول بيني وبين لهيب الشمس.
لا أحمل في جيوبي صكاً بمليمٍ أو بمليون، لا ولا أعرف كيف تجد السبيل إلى جيوب الآخرين.
لكنني أعرف كيف أختلس إليك النظر، لذا أحمد الله كثيراً إذ خلقني فقيراً ولم يحرمني من نعمة البصر.