أنتم أيها الرجال لازلتم تشعرون بحنين غامض ومبهم إلى ذلك المكان الصغير الذي خرجتم منه، ولذلك فأنتم تبحثون في كل النساء عن أمهاتكم فحبيباتكم وزوجاتكم وبناتكم لسنَ في الحقيقة التي تسكن بواطن نفوسكم سوى أمهاتكم، ولقد يحتمل الرجال أن لايكون لهم آباء ولكنهم لا يحتملون أن لا تكون لهم أمهات.
قلت وما المرأة؟
قال اسمٌ من أسماء الرجل!!
قلت وما الرجل؟؟
قال اسمٌ من أسماء المرأة!!!
إزددتُ جهلاً من حيث أردتُ أن أعرف، فزدني علماً يا سيدي وتلطف بنفسي فإنني لا أعرف.
قال أغمض عينيك وتخيل ألا امرأةً في الحياة الدنيا، وكذلك الرجل، فلما أغمضت عيني، هالني ما رأيت واقشعر بدني حتى الإغماء إذ رأيت فيما رأيت... شبحاً بتقمص رداءً أبيضَ ويسير مستوحشاً في مسوح الظلمة الشاحبة، وكان الخلاء من حوله تيهاً لا تحده الأبصار وموحشاً حتى لتكاد تُسمَعُ فيه الأنفاس من مكانٍ بعيد..
وطفقتُ أرقبه وهو يزرع البيداء مشياً ثم عوداً على بدأ، حتى ليكاد يبين ولا يبين، ويبدو ولا يبدو، وعاداني فسرت إلى نفسي المطمئنة عدواه فسمعت كأنما قلبي يُقْرعُ بمطرقة غليظة، ثم شعرت كما لو أن نسراً ضخماً سد بجناحيه أرجاء الفضاء فأظلمت الدنيا وغامت الرؤيا وأطفئت الشمس ورأيت نفسي كما لو كنت أعدو وأصيح بهلعٍ من تحت جناحي النسر الأسودين وإذا بالنسر يباغتني بقوةٍ رهيبة وأنا بين مخالبه كمزقة اللحم الصغيرة فلما اشتد على نفسي الأمر، وبلغت من الرعب أقصاه، هززتً رأسي بعنفٍ وفتحت عيني ونظرت حولي بدهشةٍ غريبة فلم أصدق أن مارأيته وأحسسته محض وهمٍ وخيال، وأرخيت سمعي فإذا الصوت البعيد يقول.. المرأة والرجل، الرجل والمرأة، هو الإنسان كلمة الله في البدء وبورك في الطيبين من نسله إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
قال إني أسمعك فتكلم...
بين كلامي وصيامي عن الكلام، توجد أرضٌ حرام، منطقةٌ وسطى لا تمشط جوانبها الحروف، ولا تُعَبِّدُ مسالكها قافلةُ الكلام.
فبأي حرفٍ استنطق السكون والحروف كلها خواءٌ ومحض افتراءٍ وتكلفٍ والكلمات هي السجون.
الحرف جلاد المشاعر، والعبارة نعش، والدفاتر أرماس وكفن..
بين الكلام واللاكلام تولد الأحاسيس كولادة البرق، حمراء دامية، مشحونةً بحدة النزيف والألم كاشتعال السيف مسلولاً ويُغْمَدُ من جديد.