تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ياولدي... لقد خطف باريس العاشق هيلين الجميلة، فقامت الحرب الضروس وتدافع الأبطال في ميادين القتال، ثم صرع أخيل الشجاع هكتور الجبار واستلهم هومير ملاحم الأبطال والدماء التي تسيل في البطاح وفي الجبال فتغنى وشعر... للتاريخ ياولدي ذاكرة انتقائيّة، لقد خلد أشياء وغابت عنه أشياء: هل وقف التاريخ العجوز ساعة في هذي الوهاد المظلمة؟ في هذا المكان الذي تجمد منذ آلاف السنين؟... كانت سواكن العذراء راعية البجعات البيضاء، صدق ياولدي انها كانت من شفافية الماء الذي يسيل بين صخور الجليد... ونحن أطفال أشقياء تربصنا بها في فجر عيد الشمس المجيدة في واحدة من دوراتها السبعينية، نظرنا إليها ياولدي وهي تنضو عن جسدٍ مارأينا مثلهُ أردية الحضارة والأدب، عارية كانت والبحيرة تغفو على وسائد الفجر القدسي الذي ماطلع قبل سبعين عاماً في فجاج الزمهرير، ونحن صبية أشرار ياولدي رأينا حزمة من شعاع علوي يخصب جسدها فتوهج حتى الإشعال وخلناه سيتفجر... هل تراني أبالغ ياولدي؟! كلا والذي نفسي بيده.. لم يكن مشهداً مسحوراً فحسب، ولكنها الحياة في أعنف تجلياتها.

في ذلك المساء ياولدي.. عادت البجعات الصغيرة البيضاء ولكن سواكن العذراء لم تعد الغطاء الأبيض ينسحب بارداً على جسد الأرض، والناس في إرجائها القصوى والدنيا يتصارعون في فرح محموم وفي حزن محموم، يمشون في فرحة العيد غير أنهم يشيعون جسد الأرض إلى مثواها الأخير. تحت الغطاء الأبيض جسد مسجى مغمورٌ ببرود الفناء والموت، وفوقه وحواليه تمشي الحياة زاخرة إلى مصبها المحزون، والخلائق تسير لاهية تغني لأفراح الحياة وترقص مغتبطة بسحر الوجود وفتنة الدنيا.

ومضى الشيخ يقول... وانحدرت الشمس المجيدة في ذلك اليوم ومالت عن وادي العاصفة البيضاء ثم ابتلعتها اللجَّة، وشيَّعتها الخلائق عند الغروب وشيعوا معها سواكن العذراء راعية البجعات الصغيرة البيضاء.

ونهض الشيخ يتحامل على جسد واهن وكان قد بلغ من الكبر عتيا، ثم نهض من بعده الأحفاد ومضوا يشقون درباً في الجليد.

والليل مابرح يقود روحي نحو آفاق أكثر ظلمة ووحشة، ووحيد أنا وغريب في متاهات البرد والصقيع أمضى فتختفي عبراتي وتشنقني كلماتي.. وأنا الملاح اليتيم والعيون مرافئ مجهولة، في كل بحر منارة ومأساة وفي كل مرفأ علم للهداية وللضلال.

روايات · الصفحة ٧٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٧٥١