قلت: زبالة قديمة جمعتها من مزابل الحياة.. فلما تعبت منها وشقيت، جئت أرميها بين أمواجك يانهر...
قال لا طاقة لي بحزنك أيها الظل ولكنني سأعطيك عنوان الغابة.. وقال اقترب أيها الظل لأطبع علىشفتيك هذا العنوان:.... في الربع الخالي من السديم الثالث عند ملتقى الذكر والأنثى، والظلام والنور، والحياة والموت، والموت والحياة، والجهل والمعرفة، والجمال والجمال، والظل والشبح، والماضي والمستقبل، والإنسان والإله..
وأنا متوتر الأعصاب، مشبوب الشعور، معلق بين النداء والنداء، يملؤني الخوف والقلق، ويدق قلبي بسرعة عجيبة، أرى العالم كله وحشةَ ومتاهةَ عظيمة، وأراني طفلاً ضاع من أمه في زحمة الخلائق، فيا ضباب الشتاء... خبئني تحت جلدك واطويني كما يطوي الشراع واعتصرني نبيذاً المذاق ثم انشرني على صفحة المدى.. فأنا ياصديقي ذلك الشاعر الذي فقد الظل والنهر ومضى يحثو مسامَهُ ببارود القصيدة... أنا الدرويش المهرول ساعياً بين البكاء والبكاء... أنا ياصديقي ضيف العنكبوت..
وقالت الغابة.. منذ آلاف السنين كان يمر من هنا نهر، وأذكر أنك كنت صغيراً حينما كانت أمك الطيبة تحتطب من أشجاري اليابسة، لقد كان يحبك ذلك النهر لكنك لم تكن تعرف السباحة.. كنت شغوفاً بالجلوس على الضفاف، وكانت الصحراء منا على مرمى حجر.. أيه ياولدي.. لقد مات ذلك النهر، وكذلك تفنى الحياة.
ومضى الليل يمشي بخطاً ثابتة نحو غدٍ آخر وقافلة الزمان تضرب في وهاد السديم، وقال الليل... في مكان ما من هذا الخلاء الأبدي وعلى بعد ملايين السنين الضوئية من هذه الأرض، كواكب مبثوثة في فضاء لا نهائي مهيب، بعضها من ضخامة الحجم وهول المشهد مالا يحيط به الإدراك ولا يعلم أحد من أمرها إلا الذي فطر السموات والأرض وأحاط بكل شيء علما.