وشاعر الأمشاط والمرايا كان ممسكاً بقصبة الناي وينفخ مفجوعاً حسرة آلاف السنين، هل كانت قصبة الناي تعرف أن أنفاسه آخر أنّات الشاعر المذبوح، هل كان المساء في تلك الفجاج يُشيِّع آخر الشعراء في صمت مهيب. لقد مات الشاعر البدوي، قتلوه تحت شرفة الأميرة فينوس.
عندما رأته ينفخ مزماره تحت شرفتها، وقعت تَسمع نشَّيج الناي، كان صوتاً حنوناً وشجياً كهمس لذيذ بجوار مدفأة في ليلة من ليالي الشتاء يعبث فيها الصقيع بنوافذ البيوت، وكانت أنفاسه المتقطعة المحمومة تتلاحق صعوداً إليها.. فاتكأت ومالت عليه حانية مسحورة، وانفلت شعرها من عقاله وهمى همى من أعلى الشرفة فضمخ الفضاء بعطر نفاذ ثم انسكب كالغيمة المنحلَّة على وجه الشاعر البدوي...
سبحان الله... هل رأيتم كائناً علوياً خرج على قيود الزمان والمكان.. هل علمتم عن كوكب حطم ناموس المدار وهوى في فج بعيد القرار، يارفاق الظلام، حريٌّ بالشاعر أن يقتل في ذلك المساء، فإنه لا يليق بالشاعر المتيم إلا أن يموت هكذا.
لقد قرأتم كثيراً من سير الحب ولا ريب، ولطالما تباهيتم أمام أقرانكم ومعشوقاتكم بأنكم تحفظون أسماء مشاهير العشاق ممن خلدتهم هذه الحياة، فهل تذكرون لي اسماً واحداً لم تكن نهايته مأساة..؟.. أنا أقول لكم... الحب العظيم هو تلك المأساة العظيمة التي تسمعون عنها ولاتعرفون عنها الكثير، وعزاء المحبين أنهم لا يرونها مأساة، فالعاشق العظيم هو الفاتح العظيم والبطل المغوار لا يرى في الحب إلا حرباً ضارية في صقيع سيبريا، فتراه حتى وهو يجود بآخر أنفاسه نبيلاً مترنماً.. ولم لا؟! فهو شهيد العاطفة النبيلة الذي سيذوب في فجر السماء السرمدي ولسوف يلتقي بمن أحب ومات.
ومضى الراوي يقص علينا نهاية الحكاية التي قصها علينا البارحة في مثل هذه الظلمة، لكن سمعي تمرَّد وكرَّ عائداً إلى قلبي مرة أخرى... وابتعد صوته شيئاً فشيئاً إلى أن تلاشى والتهمه الليل...
الليل موطن الصبوات والفجيعة، وفي غياهب الروح عواءٌ أليم، والقلب مفازةٌ يسكنها جارح الطير.