ـ معليش ياولدي، لاتزعل من عمتك، وادخل أي مكان تريده، ولاتفكر يوماً باستئذان أحد.
قبل زاعم جبين جدته، وانحنى على كفها العظيمة فضمها، ثم رفع رأسه إلى حضن جدته وصار يغني مع عمته، التي واصلت فركها لظهر أمها. كان يراقب بطرف عينيه ثوب جدته الذي بدأ ينحسر عن نهدين جافين متهدلين، جلدهما متغصن، اقشعر بدنه، وأشاح بوجهه بعيداً، تذكر ثديي أمه، كانا أملسين، لونهما أبيض مثل لون الحليب الذي كان يخرج من حلمتيهما الريانتين نزلت دموعه على وجنتيه حين تذكر أمه، التي ماتت دون أن يقبلها، حتى أنهم دفنوها قبل عودته من سفره، قالت جدته حين رأت دموعه:
ـ لماذا تبكي، افرح لقد خلصك الله من همك، وجعل لك أناساً يساعدونك، حيثما اتجهت، فاتبع شيخك تغنم.
نهض، في قلبه تجتمع رغبة قوية لمعانقة أخو زهيّة، وفي عينيه قلق، تبعته، أثناء سيره، غمامة سوداء، ولم تفارقه، كان يتعثر في خطواته، مرتبكاً، تمنى أن يصل أن يعانق شيخه الذي يخلصه دائماً والذي يضيء الطريق أمامه ليمضي دون خوف.
الحركة الثالثة:
كان يحث خطاه، مبيحاً لنفسه، للحظات فقط، الوقوف والنظر إلى الخلف لرؤية الغمامة السوداء، التي خالها نذير شؤم فتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، وحين ابتدأ يوغل في بساتين البرغوث أكثر، صارت الغمامة تتضاءل حتى لم يبق منها شيء حين وصل إلى غرفة الشيخ التي كان ينبعث منها صوت رقيق يتلو آيات من القرآن تتطاير كلماتها عابرة فوق أشجار الزيزفزن والحور والصفصاف حتى تعانق رأس أعلى نخلة تنتصب على ضفة الفرات، إلى جانبها نخلات صغيرات ينظرن إلى شموخها، ويلوحن بأكمامهن للطيور المتجمعة بين أعذاقها كأنهن يرددن: متى سنعلو، فنصير مثلها؟.
ولج الغرفة فلم يجد شيخه، وإنما وجد طفلاً صغيراً يشبهه تماماً حين كان صغيراً، كان طفلاً يجلس مثل أخو زهيّة. ويضع على رأسه العمامة نفسها، فجأة صار الطفل يكبر وتنبت له لحية ثم يشيب شعره وتملأ التجاعيد وجهه حتى يصير أخو زهيّة.
تمايل زاعم في مكانه وسقط مغشياً عليه في حضن شيخه، كانت شفتاه ترتجفان ويداه تمسكان بركبتي شيخه الذي لم يحرك ساكناً، وإنما ظل يتلو آيات من القرآن وهو يراقب نجوماً تتهاوى في نهر الفرات، فتضيء ماء النهر وتزيد جريانه.
وضع أخو زهيّة كفه على جبين زاعم، وردد: