كانت سفينته تمخر عباب البحر، وتقطع المحيطات، فجمع اللآلئ والدرر الثمينة واصطاد الحيتان، وقد تزوج إحدى حوريات البحر، لكنها هربت منه حين أحضر بعض البشر كي يصاحبوه في تجواله. استمرت رحلة راحل العاني عشرين عاماً، عاد بعدها إلى البوكمال يحمل ثروة هائلة، لكنه صعق فور وصوله بخبر وفاة والده ووالدته بسبب مرض الطاعون، فأصابه الحزن عاماً وظل يبكي عاماً.
في سنة الجوع الأولى ـ أيام العثمانيين ـ مات الكثيرون، إذ لم يبق في المدينة طعام، وقد نفدت ثروة راحل كلها. جاء الناس يستشيرون أخو زهيّة في الأمر، فصمت شهراً ثم طلب من راحل أن يعد سفينته ويسافر إلى الآستانة ليتزود من بلاد الأتراك بالمؤونة التي يحتاجها أهالي البوكمال الجياع.
جمع راحل بحارته، وجهزوا سفينتهم، ثم أبحروا، وحين وصلوا إلى الآستانة، صاروا يتجولون في شوارعها وأسواقها باحثين عن الأرزاق، فأمسك رجال الدرك البحارة، أما راحل فقد هرب والتجأ إلى كوخ فيه فتاة غادرها أبوها صياد السمك ولن يعود قبل يومين.
فكر راحل كثيراً ثم اتخذ قراره، بما أن رجاله لن يعودوا فعليه أن يفر بجلده، قبل أن يأتي صياد السمك، صاحب الكوخ، ويراه، ولأن الفتاة التركية الجميلة قد تركت في نفسه أثراً فقد حملها معه بعد أن أقنعها بالزواج منه.
رجع راحل إلى البوكمال على ظهر سفينته ترافقه الفتاة، وبعد يومين من عودته، تزوجها، كان اسمها ازدهار، فعم الخير في البلد.
انجبت ازدهار لراحل صبياً، أسمياه زاحماً، وكان راحل يعمل في صيد السمك، ولم يمض شهران على ولادة الطفل، حتى جاء الأتراك يبحثون عن ابنتهم المخطوفة ازدهار، وحين وجدوها، حاصروا راحلاً فقتلوه وأحرقوا جثته على مرأى من الجميع، ولم يستطع أحد مساعدته لأن العسكر كانوا أكثر من الشعب. أخذ الأتراك ابنتهم وولدها زاحماً وساروا إلى الآستانة.
كبر زاحم وتعلم صيد السمك، فقد كان جده الذي صار مسؤولاً عن أسطول الصيد العثماني، يصحبه إلى الصيد على ظهر المراكب الكبيرة وظلت أمه تحكي له عن أبيه، وتصف قوته وعظمته، وخبرته في الحياة، وكان أخو زهيّة يزوره بين الحين والآخر ليذكره بمدينته الجميلة المليئة بساتينها نخيلاً، ويعلمه العلوم التي تعلمها آباؤه.
وحين تزوجت ازدهار أحد رجال الجندرمة، فرّ زاحم من الآستانة، يرافقه أخو زهيّة حتى وصلا إلى أرمينيا ولم يكن زاحم قد بلغ العشرين من عمره.