حين عادا إلى البيت، كان زاعم يرتجف، جسده بارد وعيناه مغرورقتان بالدموع، تساؤل هادئ يرتسم على محيّاه، وفزع يحيط بحركته، أدخله أبوه وأسلمه إلى جدته الحاجة صبرية فوضعته في حضنها، وصارت تذكر اسم الله وهي تمسح جبين الطفل وتجفف دموعه بشاشيتها البيضاء.
نادت الحاجة صبرية ابنتها العانس، فدخلت، ناولتها الصغير وقالت لها:
ـ غطي ابن أخيك جيداً كي ينام.
حملت العمة العانس زاعماً ووضعته في فراشه، ثم غطته ببطانيتين وجلست بجانب رأسه حتى غفا، وصار يهذي، كان يردد عبارات أخو زهيّة، ويتلو سورة التوبة دون أن يخطئ في آياتها.
استغربت العمة العانس مايحدث، وحين أخبرت أمها وأخيها، قالت لها أمها:
لاتستغربي، علوم الشيخ لاتمحى، ولن ينسى زاعم مايحفظه، وهكذا كان أخوك عاصم.
قال عاصم:
- الشيخ علم آبائي وعلمني، فلم ينس أحد شيئاً من علمه وسيبقى زاعم محافظاً على ما يتعلم أيضاً.
صار عاصم يأخذ زاعماً كل يوم لزيارة الشيخ، وحين يعودان يتكرر الحال نفسه، اضطراب وقلق يحيط بزاعم وهدوء غريب يحيط بجدته وأبيه وعمته العانس.
أما أمه نورية فقد ظلت تراقب طفلاً ينام طيلة يومه خائفاً من شئ ما، وأناساً يخفون عنها أسراراً - يتداولونها بينهم وحين تحاول الدخول إلى عوالمهم الخاصة ينقطع الحديث كأنه لم يكن.
وفي يوم، نهضت نورية من نومها مذعورة، وألحت على زوجها كي يخبرها بما يحدث لوحيدها، فتردد عاصم قليلاً لكنه حسم أمره، وقرر أخبارها بكل شيء فقال لها:
-ابنك يعلمه أخو زهيّة ، وسيصير عالماً بكل شيء، سترين ولدك رجلاً عظيماً.
انفجرت نورية غاضبة، وركضت إلى غرفة ولدها، فأيقظته وهي تصرخ:
- يا ولدي، أخو زهيّة مجنون، لاتسمع كلامه، إنه درويش على باب الله، ولايفهم شيئاً، إنه لا يعلمك شيئاً.
صار زاعم يبكي وخرج من الغرفة فزعاً، والتجأ إلى حضن جدته فاحتضنته، وهدأت من روعه، وهي تقول:
- أمك مسكينة، جاهلة ما تعرف، ولكنها ستعرف كل شيء بعد أن تتعلم أنت.
**
هامش الفصل الثالث:
الماكف والفيحة وسوق القصابين وسوق البرغوث: أماكن تجمع البشر للبيع والشراء في البوكمال.
الشوايا: سكان القرى الفراتيون.
أبو الزعر، أبو الجراذ، السمّن، وشراشيح الماء: أنواع من الطيور الفراتية.
الشاشية: غطاء الرأس الرقيق الذي تضعه النساء الفراتيات على رؤوسهن.
***
الفصل الرابع
الحركة الأولى: