هو الفرات الذي نعشقه رغم مآسيه وجرائره... ملهم الأدباء وملتقى الأحبة، وشريان الحياة الذي يمدّنا بالعطاء... هو الفرات الذي نطوّف على سطحه الرقراق في كل حينٍ شموع الأمل... لم يصمد أحدٌ أمام هيجانه المدمّر... وحدها أشجار التين استطاعت أن تردّ له الصفعات رغم الغثاء الذي جلل لحاءها، ولوى أعناق المزروعات التي لاذت بها...
كل عام، وفي نيسان يرسم الفرات للمنطقة خرائط ملوّنة، حدودها صحارى ومتاهات وأخاديد تهزّ الوجدان، وتقشعرّ منها الأبدان...
الرجال يستغيثون، والأطفال يبكون، والشيوخ يحوقلون، أمَّا النساء فتندبن، وتولولن بعصبية...
قال شيخ المدينة لمن احتشد أمامه:
ـ إنها ضريبة البقاء يا أبنائي، وامتحان من الله تعالى... أكثِروا من ذكر الله والعمل الصالح، فبهما منجاتكم...
هزّ الواقفون رؤوسهم بأسى، وتفرقوا دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة.
أزهار الربيع لوّثها الغثاء، فأصبحت نفايات، والبسمة اختفت من الشفاه، والعيون النديّة ما زالت تذرف دموعاً حارقة تلهب الوجنات...
إيه أيها الآتي... ماذا تركت لنا؟!
البيوت تآكلت حيطانها، وتقشّر طلاؤها، وفقدت الأبواب والنوافذ انتماءَها لأي لونٍ سوى الصدأ والرطوبة...
الخوف يمتد دماً حتَّى انتهاءات الوداع، وقد طيّرت أشياءَها الأشياء، وانسابت على الغثاء تبحث عن سر الضياع.
إيه أيها النهر الجبّار كنت تمنحنا فرحاً، ألقاً، وتحذّرنا من يباب الأجل... كنت تهدي إلينا عطر الأمل، ثمَّ تغرس في حقولنا فسائل الحب والمودة... كنت تقطف ذوب القلوب، وتجعلنا نتماهى على عجل، كنت توقد نار العشيات في مرابِعنا فيهلّ الحجل...
ماذا جرى لك اليوم على غير عادتك؟!
لِمَ جعلتنا في المدى المفتوح وجعاً ينوح؟!
لِمَ توزعت في مفردات الوقت أعاصير تهمي خرائب ودموعاً؟!
لِمَ لوثت نقاء الصمت وصفاء الصبر، وجعلت الفقراء يزدادون فقراً، والأخيار يمدون أياديهم للأشرار؟!
وقف أبو أحمد الصباغ متسمراً أمام ما آلت إليه أحوال بيته المتصدّع، وما خلّفه الفيضان... لقد أفسد أصبغته كلّها، ولوّث الأصواف المتراكمة، وغدت جدران بيته وأرضيته خرائط ملوّنة، ولوحات تشكيلية مذهلة، أمَّا مؤونة البيت من الطحين والبرغل والسكر والشاي وغير ذلك، فقد أصبحت مع الغثاء طعاماً لهوام الأرض وأسماك النهر.
حوقل أبو أحمد، وبسمل عدّة مرات، وعندما عجز أهل بيته عن إنقاذ شيء، رفع يده إلى السماء، سائلاً الله تعالى الرحمة والعون.