تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…غربت شمس ذلك النهار، وانتشرت طلائع الظلمة تغشى الكون، إلى أن شرع القمر يتوغل صعداً في سماء صافية الأديم، مرسلاً شلالات دافقة من ضيائه الباهر، تغمر السطوح والقباب، فتلقي هذه على الأرض ظلالاً فاحمة تنبسط من أمامها في أشكال مختلفة. ثم لا تلبث الظلال أن تتقاصر شيئأً فشيئأً، كلما ارتقى البدر قبة السماء، ليغمر الضوء كل المرئيات، مثيراً في النفس أحاسيس مبهمة، هي مزيج من الشعور بالجلال والوحشة، والأحساس بالضآلة والتناهي في الصغر، في لجة هذا الكون السحيق الأبعاد بغير ما نهاية.

…خلت الساحة والأزقة. فخفتت الضوضاء، فيما تحلق على المصاطب القائمة أمام البيوت رجال ونساء، لاسيما اولئك الذين تجاوزوا مرحلة الشباب، وتقدمت بهم السنون. بقايا غبار ما زالت تعبق في الجو خلفتها قطعان الماشية العائدة، مع الغروب، إلى حظائرها، او منازل أصحابها الذين غالباً ما يشاطرونها العيش تحت سقف واحد. يقدمون لها قمحهم وشعيرهم، وتمنحهم هي حليبها ..! مزيج من رائحة التراب والقطعان، ورائحة دخان الطوابين والخبز ..مزيج غريب منعش.. أخاذ. هدوء المساء يعم كل شيء. يقطعه ما بين اونة وأخرى ثغاء شاة، او خوار بقرة.. نباح كلب، او صرير بوابة يدلف منها كهل، يتقدمه سعاله المتقطع.. صوت امرأة تستحث جارتها على الخروج للانضمام إلى زمرة السُمَّار التي تتكون أمام بيتها .

…بعد أن اطمأنت والدتي إلى أن أحمداً وعلياء قد أخلدا إلى النوم، أذنت لي بمرافقتها، عقب توصية مشددة، مشفوعة بالتهديد بأن تكون هذه هي آخر المرات التي تصطحبني فيها، إن لم الزم الصمت - كلاماً وحركة - في حضرة (الكبار). وكما في كل مرة قبلت تعهدي الذي لم يحدث قط أن تقيدت به فيما سلف ..!

…أكثر الجالسات أهمية ومكانة كانت الحاجة (أم سائحة)، التي تتصدر الجلسة، عادة، فتضفي عليها هيبة و وقاراً. سبحة طويلة بين أناملها، تداعب حباتها بأناة، لكأنها حركات محسوبة. وشاح أبيض على رأسها يبدي عند أطرافه خصلات من شعرها المصبوغ بالحناء .ملامح وجهها نضرة، لما تزل، على الرغم من تجاوزها الستين، إلا من خطين دقيقين على جانبي فمها. أما عيناها فقد احتفظتا ببريق حاد، حتى يكاد المرء أن يتجنبهما إذا ما حدقتا فيه بإمعان .

روايات · الصفحة ٤٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٠٩