تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خالته، زوجة أبيه، كانت هي التي أرسلته إلى الفرن. طلقها الرجل بعدئذ ناسباً إليها سبب موت اسماعيل. و آه يا صديقنا المخترع إسماعيل.. تضيع حياتك أنت أيضاً حتى قبل أن تتفتح عيناك عليها برصاصة جبان أحمق ممن ابتلتنا بهم المقادير.. أصابك ما أصاب أبي.. وقافلة الشهداء المجهولين بلا عدد .

…كما أصيبت فتاتان عند حاووز الماء، حملهما شابان إلى دار قريبة، بترت ساق إحداهما فيما بعد، وتوفيت الثانية بسبب النزيف الذي لم ينقطع طوال ساعات الحملة. التجول ممنوع. وليس في القرية طبيب أيضاً الأطباء في يافا والرملة والمدن فقط.. أنت أيضاً تذهبين رغماً عنك.. وكان لك أن تعيشي حياة مديدة لولا الدخلاء الغرباء هؤلاء ..!

…قبيل الغروب بدأت القوة البريطانية في الأنسحاب، بعد أن أمرت الجمهور المرتهن بعدم التحرك قبل أن تبرح القرية. وألقت بين الناس كميات من النشرات المطبوعة على قصاصات من ورق ملون، تشبه تلك التي ألقتها الطائرات فوق القرية في مناسبات مختلفة، من ارتفاع منخفض تكاد تلامس أسطحة المنازل. وهي تضع اللوم على الثوار وتدعو الشعب إلى التخلي عنهم، بل و تسليمهم للسلطات المختصة. ومنها ما ينص على مكافأة سخية، لمن يقدم معلومات عن (محمد طه النجار) و(أسعد الرنتيسي)، زاعمة أن الثوار بقيادة هذين الرجلين، هم الذين يجلبون على (الأهالي) هذه المتاعب ،(ولولاهما لعاش الناس في سلام وأمان إلى يوم الدين ..!) .

…وما أن ابتعدت آخر مصفحة، حتى انطلقنا نستطلع ما جرى للأهل والمباني إبان فترة احتجازنا، وقد بدا لنا أن الوقت الذي مضى كان طويلاً جداً ..

…لم أصدق ما رأت عيناي. جابهني فراغ امتد بعيداً مكان المباني، التي كانت قائمة قبل قليل تحجب النظر عما وراءها حتى الأفق. لم يعد هناك سوى حطام.. أكوام من الحجارة والحطام والأتربة. مقهى أبو سالم والدكاكين المجاورة أمست ركاماً. شظايا زجاج محطم.. بقايا أباريق وكراسي وأطباق مبعثرة.. أخشاب محترقة.. وسحب غبار خانق ما زالت تملأ الفضاء، فتكتم الأنفاس.

…لم يبق قائماً في المكان سوى (حاووز) ماء الحاج علي الهمص العائد لبيارته والمطحنة المجاورة التي يملكها. بدا كنصب تذكاري شاهد على ما جرى وما كان. غير أن جدرانه تصدعت، وانبعث الماء يتدفق منها كشلال من الدموع.. والجميزة شامخة في مكانها، تتحدى في كبرياء جريح صامت، وقد غطى الغبار والقتام أوراقها و أغصانها .

روايات · الصفحة ٤٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٠٣