تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…في طريقي إلى البيت التقيت مريم عائدة من دكان البقال. تنحينا عن الطريق قليلاً، حيث وقفنا تحت شجرة النخيل القائمة عند ناصية الشارع. نسمات خريفية تداعب شعرها الأشقر، المرسل على كتفيها، يتماوج على جانبي وجهها الدقيق التقاطيع، فتعيده إلى الوراء بحركة رشيقة من جيدها، لا تكلُّف فيها، تضفي عليها مزيداً من الفتنة. أخذت تتلفت حولها في قلق ظاهر، فيما تضرج محياها الأبيض حمرة وردية، تثير في النفس حنيناً مبهماً نود معه عناق الكون. وحين سألتها لماذا لم أرها خلال الأيام القليلة الماضية، أجابت وابتسامتها الحلوة ترف على شفتيها، وتطل من عينيها الزرقاوين، قائلة بأن والدتها أخذت تضيق عليها الخناق مؤخراً، بحجة أنها لم تعد صغيرة، وأن عليها منذ الآن أن تكون اكثر تحفظاً مع أولاد الحي، كي لا تلوك الألسنة سمعتها..!

…لم يدر بخلدي حتى تلك اللحظة سوى أننا أصدقاء.. أبناء جيران. للمرة الأولى تخطر لي أفكار حول الذكر والأنثى، في شخصي وشخصها. والفرق بين الولد و البنت، لم يكن سهلاً أن أقنعها باللقاء خلسة من حين لآخر. بل إنني لم أكن أرغب في ذلك. لم التخفي وكأننا نقترف خطيئة أو نرتكب ذنباً ..؟ ولكني أريد أن أراها، فلا تنقطع عني.. أن أتحدث إليها بغير موانع أو تحفظات. ومن ذا الذي له الحق في أن يحرمنا لقاء اتنا البريئة.. بل لماذا تفكر الأم بهذه الطريقة السخيفة ..؟

…ودَّعت مريم وانصرفت واجماً، أفكر فيما سمعت منها .

…دخلت المنزل فألفيت جدي و أحد أخوالي وابن عم لأمي يجلسون على مراتب فوق حصير من القش، مما يوحي بقدر من الحفاوة أبدته أمي حيالهم. وإبريق من الشاي أمامهم وأكواب فارغة، وصحن امتلأ بأعقاب السجاير، فيما كان جدي يلف واحدة جديدة منها ببراعة كنت دوماً أغبطه عليها. ما إن لمحت وجه والدتي الممتقع حتى أدركت لفوري أن هناك أمراً غير سار، وغير عادي أيضاً، يجتمعون من أجله. ازداد شعوري بالانقباض. ساد الصمت لحظات، ريثما سلمت عليهم، فيما هم يرددون واحداً إثر الآخر :

…الله يرضى عليك.. ما شاء الله.. أصبحت شاباً.. من خلَّف ما مات..

…ثم استأنفوا حديثهم دون أن يكترثوا كثيراً لحضوري بعد ذلك .

…صعقني، بادئ الأمر، قول الخال مواصلاً حديثاً كان قطعه دخولي غير المنتظر :

روايات · الصفحة ٣٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٣٩٧