…كان عملاً شيقاً لصبي مثلي. فعلي أن أكنس الدكان، وأرش الرصيف، ومساحة لابأس بها من الشارع أمام المحل، كل صباح وعند العصر، كيما يلطف الجو إذا ما هبت النسمات الغربية الآتية من البحر، عبر الكروم والرمال وبساتين البرتقال. ولاشيء - عدا ذلك - سوى مراقبة (العم أحمد) وهو منهمك في قص شعر زبون، أو تلطيخ وجه آخر بالصابون، فيما هو لا يكف عن الكلام أثناء ذلك. ولربما كلفني بطلب فنجان من القهوة أو كوب من الشاي الثقيل، للمعلم - وللزبون أحياناُ إذا كان يستحق ذلك - من مقهى عم ياسين (ابو داود) المجاور. وحين لا يكون لدي ما أعمله أجلس فوق ذلك الكرسي العتيق، ذي الصرير المثير، على الرصيف، أمام الدكان أرقب السابلة، والسيارات العابرة، مفاضلاً بين ألوانها، أو محاولاً تخمين ماركاتها، وهي تتجه جنوباً إلى المجدل، وغزة، أو شمالاً نحو يافا واللد والرملة، فيما يساورني شعور بالحسد إزاء ركابها الذين سوف يرون تلك البلاد. كان العم أحمد الجمل يباهي بأنه الأمهر وأنه لذلك يجمع ما يزيد على القنطار من القمح والذرة في كل موسم. إذ يتقاضى صاعاً أو أكثر حسب اريحية الزبون لقاء قيامه بالحلاقة للرجل الواحد وأولاده في العام هذا فضلاً عما يتقاضاه لقاء خلع ضرس لزبون، أو فصدجبين، أو أخذ (كاسات هوا) لآخر..! حتى الدواب يأتونه بها لكي يعالجها من أمراضها ..!
…لم ألبث طويلاً حتى أكتسبت ثقة عم أحمد الجمل الحلاق الذي أخذ يكل إليَّ مهمة وضع الصابون على وجه الزبون، مؤكداً لي أن هذا الامتياز لم يمنح لصبي قبلي من أولئك الذين عملوا عنده، الأمر الذي كان يفعم قلبي - فضلاً عن قلب والدتي - غبطة وحبوراً. ابتهج لمرأى الصابون، وهو يشكل فقاعات شفافة أرقبها في شغف وهي تننتفخ ثم تنطفئ تماماً هنا وهناك على سطح وجه الرجل. بل إن طموحي أخذ يمتد إلى أبعد من ذلك. أن أغدو قادراً، في وقت ليس ببعيد، على القيام بتلك الحركات العديدة، التي أجمل ما فيها أنها لا لزوم لها البتة، فأطقطق بالمقص حول الرأس والعنق، وأجري النصل اللامع على وجه الرجل، دون أن أثخنه بالجراح تماماً كما يفعل العم أحمد الجمل، حتى دون أن يعيقه ذلك عن مواصلة الكلام طوال الوقت عن الانكليز والأفراح والمآتم وموسم البرتقال .