تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…من هنا كانت مهمتها حرجة في ذلك الصباح، مما جعلها تقدم طعام الأفطار وهي في حالة من الاضطراب، مع أن المسألة لم تكن على تلك الدرجة من الخطورة. كان عليها أن تطلب اليه - أو على الأصح أن ترجوه - بأن يصطحبني إلى المدرسة، إذ كنت قد تأخرت في اليوم السابق بضع دقائق عن بدء الدرس الأول، وطلب إليَّ الأستاذ (عبد الخالق) أن أحضر في اليوم التالي بصحبة ولي أمري. ترددت والدتي قليلاً قبل أن تخبره بذلك، خشية أن يصَّب جام غضبه علينا جميعاً، ممثلين في شخصها. أو أن يوجه لها عاصفة من اللوم على تقصيرها في رعاية شؤون أولادها..!

…كنت إذاَّك في أواخر السنة الثامنة من عمري. وفي الصف الثالث الابتدائي على وجه التحديد. ولم أكن قد مررت بالصفين الأول والثاني شأن من هم في مثل سني. إذ كنت قد أمضيت عامين في كتَّاب الشيخ (عبد الكريم كرِّيم) قبل أن أنتقل إلى المدرسة الأميرية، وفي أواخر السنة الدراسية أيضاً. وكان ذلك بسب مشاجرة وقعت بيني وبين طفل آخر من أترابي، لطمني على أثرها معاونه الشيخ أسعد - وهو كهل ضرير - على وجهي، فخرجت للتو مهرولاً إلى دارنا القريبة، حتى دون أن أنتظر ساعة الانصراف.

…لم تكن الدراسة في ذلك الكتَّاب تنتظم التلاميذ صفوفاً أو فصولاً، بل كنا نجلس، كيفما اتفق، في فناء الدار المظللة بعريش من العنب. ثم نأخذ في ترديد آيات من القرآن الكريم، وراء الشيخ بأصواتنا الرنانة، التي كثيراً ما أقلقت راحة سكان الحي بأكمله. أو نعمد إلى كتابة وظيفة (الخط) طوال النهار حتى يصيبنا الملل بالدوار. وكان ذلك الدرس مجرد نسخ للسور الصغيرة على ألواح من الأجر، دون أن نفقه لما نكتب أو نقرأ معنى. أما في فصل الشتاء فكنا نقبع على حصير في قاعة فسيحة الأرجاء، ارتفع سقفها أمتاراً عديدة كي يزيد من برودتها. ليس لها سوى نافذة واحدة تطل على فناء الدار. وتردد بيننا انها كانت تستخدم من قبل مخزناً للتبن و الغلال، وفي فترة من الفترات كانت اسطبلاً يؤوي عدداً من البغال كان يملكها أصحاب الدار فيما سلف..!

روايات · الصفحة ٣٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٣٧٧