ـ ما بك يا أبا أحمد واجماً لا تتحدث؟ أخشى أنك غضبتَ من احتجاجي على الرجال أمام أبي ياسين؟
ـ لا.. أبداً.
قال أحمد معتذراً:
ـ أخشى يا أبي أنك غضبت مني عندما طلبت السلاح من أبي ياسين؟ والله لم أقصد الإساءة إلى أحد، أو أنوي الغدر بأحد.. لكن الحذر واجب.
ـ لا يا بني، فرغم خطورة ما طلبت، فأنا على ثقةٍ من وعيك. إن سبب صمتي ووجومي هو تفكيري بالغد، وما يحمله من مفاجآت قَدْ تكون غير سارّة، وستسمع بأذنيك ما سنقول لعلي بك، وأرجو أن تشاركنا الحديث في المضافة.
ـ كما تريد.
ـ هيا أسرعوا لأن وقت لقاء الأحبة في المضافة قَدْ حان.
(7)
كان علي بك قلقاً.. سحب سوداء خيّمت في سماء حياته منعت أشعة الشمس من اختراق حجبها، وثمّة طيور سوداء تنعق في زوايا مضافته التي يؤّمها الأحبة.
هموم ثقال، وكوابيس مرهقة تتناوب على رأسه وصدره النحيل، وكان رغم العناء والمحن يبتسم، وكانت ابتسامته بلسماً للجراح النازفة، وإشراقةً في عتمة الضياع.
الدير مهدّدة بالوباء، والمجاعة تفتك بأحلام الفقراء.. الحرب المستعرة تنفث سمومها في كلّ اتّجاه، وخيوط سوداء تجرّ المناضلين تارةً هنا وتارةً هناك..
قال أبو طارق:
ـ أخشى أن ما جرى للأرمن قَدْ يجري علينا..
شخصت عيونهم، واشرأبّت أعناقهم، ويبست حلوقهم، فلم يعد يقوى أحدهم حتى على الهمس.
قال المختار:
ـ أخشى الفجيعة مما ستؤول إليه الأحوال..
همهموا طويلاً ثم أدركهم السبات، لكنهم ظلّوا أحياء.. أي خرابٍ سيحلّ في أرض الخير؟وأي دمار سيطيح بمعالم الصفاء والنقاء؟
قال أبو ياسين:
ـ إن انتصر الأتراك سيثأرون، وإن خسروا سيثأرون أيضاً، فما العمل؟
حملق الرجال في عيني أبي ياسين، وشفاههم الراجفة تقطر منها تمتمات واهنة.. لا شيء عندهم يخسرونه سوى الكرامة، وهذه عصيّةٌ على الأتراك وغيرهم.. الأرض والعرض لا مساومة عليهما مهما بلغت التضحيات.
قال علي بك محتدّاً:
ـ استعدّوا لساعة الصفر، ولعمري إنَّها لقريبة.
قال أبو سلطان بعد أن جفف عرقه بمنديل توضع داخل طربوشه:
ـ ما رأي ممثّلينا في مجلس المبعوثان يا أبا راغب؟
ردّ أبو صادق الميكانيكي ساخراً:
ـ مجلس المبعوثان؟! إنه لا يقدّم ولا يؤخّر، ولن يستطيع ممثّلونا أن يجهروا بأصواتهم فيه، وإن تحدّثوا فسيكون مصيرهم مصير الأعضاء الأرمن فيه.
اقترب علي بك من أبي صادق، وأمسك بكتفه وهزّها قائلاً: