وبمكر المرأة الخالد، اكتشفت نسوان الحارة حكاية الحب، فإذا ما طال غياب الرجل عن بيته، وبدأت دونا بالقلق، والارتجاف كسعف النخل.. رددن بصوت واحد مثل كورس يوناني:
ـ عارف مات.. يا مسخّمة يا دونا.
فتنخرط "دونا" في بكاء طويل، فالطرقات خالية، واللصوص كثيرون، وليس لها أحد سوى عارف، فهو دنياها، وعالمها الصغير، فإذا ذهب، ذهب كل ذلك.
وتشبع النسوة من السخرية المرَّة، وهنَّ المقهورات أكثر من "دونا" والعاتبات على القدر، لأنهن محرومات أكثر منها من نعمة العشق.
وحين يطرق عارف الباب، تهرع "دونا" لتجد رجلها أمامها بلحمه وشحمه، ضاحكاً من جنونها، فيختلط الضحك في البكاء كالماء والتراب، ليكون الطين.
ورغم تكرار الحالة، ظلت دونا تصدق ما تقوله نسوان الحارة وكل ذلك سببه أن دونا صغيرة تصدق كل ما يقال لها.
16ـ درس في الحساب:
خالد البطران شاب من بلدتي..
وكأيّ فراتي شرب من ماء النهر، وتمرّغ جسده المعافى بالرمل والحصى، ولد ليكون رجلاً، مسكوناً بالشمس والشماس، وهو من عائلة ورثت قديماً تجارة الخيل، وتربية الخيل، والمعرفة الحجّة بأنسابها وسلالاتها الأصيلة، ليس لي قريباً قرابة دم، ولا صديق طفولة، فأنا أكبره سناً ـ وإن كانت لي معرفة بحكم العمل بأبيه وأعماله ـ ومع ذلك توثقت عرى الصداقة بيننا، والسبب عشقنا المشترك للنهر، وساعات الغروب الساحرة، فقد كنت ألقاه مساء مع حصانه الأشهب، يشرف على غسله من العرق، وتنظيفه مما علق به، يقوم بذلك في شبه خشوع، فتدور بيننا أحاديث عابرة، أغلبها حول الخيل، وطباع كل سلالة منها.. فيؤكد لي وهو يهزّ رأساً مثقلة بالأفكار:
ـ الأصيلة إذا عثرت رجعت، يستحيل أن تكمل سيرها، وإذا مات خيّالها قد تموت بعده، فهي أوفى من النساء.
ـ دائماً؟!
ـ إلاَّ إذا خالط دمها دم هجين، حينذاك تفسد طباعها وطباع سلالتها من الذكور والإناث.
وبعد حصول خالد على شهادة "البريفيه" بصعوبة، أعلن نهاية مشواره العلمي، فقدَّم طلباً للعمل في دائرة المعارف، ولأنَّهم أحدثوا مدرسة ريفية متطرفة عن المدينة، قُبل طلبه معلماً وكيلاً في المدرسة، وكان نصيبه تعليم مادة الحساب التي تلائم إمكاناته وقدراته.