تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسعدو رجل جاوز الستين من العمر، دائم الشكوى من السعال وسرقات العمال في متجره الكبير، وكأنه وسواس قهري، يرتدي قمبازاً من الحرير المفتوح وطربوشاً عثمانياً وداسومة حمراء، وقد برقت في أصابعه الخواتم الذهبية وهو يردد باستمرار:

-مال لا يدفع صاحبه الزكاة مصيره الحريق.

وسعدو البكاري عمل عتّالاً في أسواق حلب، يتلقط رزقه كالدجاج من مزابل التجار الكبار، ثم بائعاً دوّاجاً على حمار في قراها القريبة، وقد هاله الثروات العريضة والقصور الفخمة، والحمامات والوجوه الوضيئة، فأيقن أن حظه في مكان آخر. فباع كل ما يملك- وما يملكه قليل حتى الزهد- ثم توجه مع زوجته العروس إلى الشرق.

-الغني بين قرباط أفضل من الفقير المتعوس بين تجار حلب.

قال لزوجته متأسياً- ثم تابع:

-المصاري يا فطوم هي التي تصنع الجنة والنار اليوم..

ولما حط في هذا البلد.

اكترى غرفة ومطبخاً وساحة ديار في الأطراف بسعر زهيد، ولم ينتظر، اشترى حماره الأول، وبدأ تجارته المتواضعة وحيداً، يرحل إلى القرى القريبة ستة أيام، وفي اليوم السابع يعود وسخاً، يأكله القمل، والحاجة إلى لقمة نظيفة وحمام ساخن وامرأة تملأ فراشه، فبارك الله تجارته، فاشترى حماره الثاني، وهو يجمع القرش على القرش، يذهب بالمرايا والكحل الأسود والسكاكر والصابون والخرز، ثم أضاف البيلون والأمشاط ويعود بالقطن والصوف والحنطة والبيض حسب المواسم.

وتوسعت أعمال سعدو، فاشترى حماره الثالث والرابع، وحين بلغ عدد حميره عشرة، بدأ يؤجرها إلى باغة فقراء، ويكفلهم عند أصحاب المخازن مقابل نسبة معينة، وآخر الأسبوع يحاسبهم، فزادت أرباحه، وتطورت أحواله فافتتح دكاناً صغيرة لبضائع يحتاجها شركاؤه الصغار.

ومع الأيام تطورت أحواله، وتوسعت أعماله، فباع الحمير لشركائه، واستثمر رأسماله المتواضع في شراكات (عظم) مع الغنامة حيث السمن والصوف وتجارة اللحم، وكبر متجره وأصبحت له أسهم أخرى في زراعة القطن والقمح، فلمع اسمه كالذهب بين البدو الغنامة ومزارعي الريف القريب فظن أنه حقق ما يريد.

ويوم احترق مخزن سعدو البكاري، اهتزَّ السوق، لكن أحداً لم يندهش وكأنهم ينتظرون ذلك، فتذكر سعدو أنه نسي كل هذه السنين دفع الزكاة فعض إصبعه ندماً، ولم يعد إلى الشكوى مرة أخرى من سرقات عماله، لكن السعال لم يفارقه.

5-مجنون الجسر:

ملَّ خلف بن شيحان البرية.

روايات · الصفحة ١٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٤٤