تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يدفعون كلابهم وقطعانهم وسط زوابع من العجاج والصياح، فيتعكر وجه النهر، ويفر السمك والشبوط النهري، ويشتم شيركو مخلوقات الله المنسية هذه –كما يسميها- لاعناً نسوتهم النحيلات، المجللات بالسواد، ورائحتهن النفَّاذة، يمتزج فيها العرق بالخضيرة، معلناً أنهن بالتأكيد ساحرات يحملن خرز المقابر للسيطرة على الرجال.

يمرون فلا يأبه بهم الباشا، ما داموا يدفعون ضريبة المرور، أما إذا رأى عند أحدهم فرساً من سلالة نادرة، فلا يترك وسيلة للحصول عليها، فاجتمع لديه نتيجة ذلك اصطبلاً نفيساً من الخيول العربية الأصيلة، سعد بها، وأعطاها وقته واهتمامه، ومما زاد في سعادته، السفَّانة من التجار العابرين من البيرة إلى عانة، يحملون إليه ما يريد من التموين والبضائع، مما أشعره أنه سيد هذا الخراب وأميره وسلطانه.

ويوم يستقبل الشيخ المجذوب ولادات ماعزه الشامي الذي يتكاثر باستمرار، يطير بأجنحة الفرح، ومثل الرعاة الصالحين آخى بين العزلة والعبادة، فكان يجلس وحيداً في البريَّة، يرقب الماعز والطير والصمت البري يتوج كل ما حوله، والفضاء يمتد أمامه إلى ما لا نهاية، قبّة زرقاء صافية من البلّور النظيف. مردّداً:

-مولاي.. إشارة منك.

ويسترجع صورة الدرويش على نهر قويق.. فيهمس:

-حلوى أم بلوى؟! لقد احترق جوفي.

وفي المساء يتوجه الشيخ إلى باحة الجامع العتيق، وقد حفَّ بها أطلال جدران وأسوار حيث يودع هناك ماعزه، وبعد أن يصلي، ينام تحت قناطر الجامع الحجرية، الذي لا يبعد كثيراً عن قصر الباشا، بغزلانه، وطيور الحجل والحبارى، والشاهين، وزوج الطواويس اللعين، حين رآها.. قال:

-هذا الطير مغرور مثل إبليس.

فتذكر زيارة الحان الأولى، ورقصته الأولى.

***

وحلَّ شتاء.

لا ككل الشتاءات التي عرفها الباشا، بدأ خافتاً خجولاً، يمر بالطوق والنوافذ والوجوه نسيماً شفيفاً، ويظلل الخرائب بعصافير الدوري والصعو والخُضَّر، ويمدُّ أصابعه، يشقق جلد الأرض عن خطوط من العشب، يطل برؤوسه الخضراء كوبر سري، فانخدع الباشا به، فأسرف مع حاشيته في الطعام والشراب والسماع والنوم.

-النوم ترجمان الموت.. لو تدرون.

قال الشيخ المجذوب.. وهو يرقب ما يحدث.

روايات · الصفحة ١٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٣٣