تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بغداد، حدائق وقصور، وأغنيات حزينة، يرددها الصيادون في رحلاتهم الليلية، والملاحون في الحراقات والعشاريات الخاصة، وهي تمضي في الليالي المقمرة، تمزق حزم الضوء على وجه الماء الرجراج، والأسماك لا تنام في دجلة والفرات، والحلم ظلّ يلازم الباشا، يحمله في قلبه عشقاً أبدياً، لا يفارقه، هو الذي لم يعرف العشق أبداً، ولطالما سأل نفسه:

-أيعقل أن يقع رجل في هوى مدينة؟!

فيأتيه الجواب:

-اسأل نفسك، ألم تفعلها؟!

لقد فعلها، عشق بغداد منذ اللحظة، التي وطأت فيها قدماه أرضها، فأصبحت له موطناً ومرجعية، هو الصعلوك الوضيع، الذي لا مهنة له سوى القتل وتصفية الخصوم لمن يدفع له أجره. فالأبنية والشوارع والوجوه، أعطته تأريخاً وهوية، بعد كل اغترابه الطويل. فصاح:

-هذه المدينة منذورة لك.. فيجب أن تمتلكها.

لكن صوتاً في داخله سخر منه، سرعان ما أخرسه بفيض من السباب والشتائم، فقد أحس أنه ولد من جديد.

لقد نزلها يومذاك مع رفيق من أمثاله الذين رهنوا أرواحهم للشيطان.

وكان في مهمة قذرة لصالح باشا حلب، لتصفية خصم من خصومه فرَّ إلى بغداد خوفاً منه، فكان لابدَّ من إسكاته.

قال له صاحب الخان الذي نزل فيه، وهو يحدق في عينيه:

ـ الرجل من الشام؟‍

ـ لا..

ـ من مصر إذن.

ـ لا.. من معمورة العزيز.

ـ إنك لا تشبه التجار.

ـ لست تاجراً..

قال وهو ينتقي كلماته أمام فضول الرجل.. ثم تابع:

ـ أنا رسول..

واستدار تاركاً الرجل في حيرة، عابراً إلى غرفته، ليتدبَّر أموره، ويخطط مع رفيقه، لتنفيذ المهمَّة، فالباشاوات يهمهم سرعة التنفيذ، والدقة، والسرِّية، وتلك مزايا القاتل المأجور.

***

ـ أيُّها البوشناقي.. لم نأتِ إلى بغداد للسياحة والسكر في الحانات.

قال رفيقه بنزق.. ثم استدرك حين رأى عينيه تشتعلان:

ـ لقد أطلنا.. وباشا حلب ينتظر خبراً منَّا، وما لدينا من مال قارب النفاد، ومكان الرجل عرفناه.

ـ إنها بغداد يا رجل.

ـ بغداد تنتظر، أمّا الباشا فلا ينتظر:

ـ كما تشاء... لن تكون إلا راضياً.

وعند الفجر.. عبر جسر بغداد رجلان مسرعان باتجاه الشام، وقد حمل أحدهما صرّة من القماش بحذر وحرص.

ـ كما ترى.. كانت العملية سهلة.

ـ العمل معك رائع...

ـ هذا الخنجر لا يخون.

وأمام الباشا ألقى الرجل الصرَّة، فتدحرج رأس عدوه أمامه، فنظر إلى الرجلين برضا وارتياح.

ـ قلت له: سيف الباشا أم ذهبه؟‍! فاختار السيف.

تمتم بصوت أجشَّ، وواثق.

***

ـ لا بدَّ من بغداد، وإن طال الزمن.

روايات · الصفحة ١١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١١٥