صفق لها الحاضرون طويلاً، وهتفوا باسمها كثيراً. تقدّم إليها علي بك والمحافظ وصافحاها، وأجلساها بينهما. دخل السرداق رجل في الثلاثين من عمره، تبدو عليه آثار النعمة والوسامة والجد. بيده حقيبة جلدية منفوخة.
تأمّل وجوه الحاضرين، وحيّا بلغة عربية تشوبها لكنة أرمنية، وجلس هادئاً صامتاً.
همس علي بك في أذن الشيخ محمد سعيد قائلاً:
ـ يبدو أنه أرمني. هل سبق أن رأيته؟
ـ لا والله. لكن انتظرني.
وقف الشيخ محمد سعيد، ثمَّ خطا عدّة خطوات، حتَّى وقف أمامه، فوقف الرجل، وحاول تقبيل يد الشيخ، لكن الشيخ سحب يده بسرعة قائلاً:
ـ أستغفر الله العظيم... اجلس يا أخي، على الرحب والسعة. إن أردتَ دار أمان فقد وصلت، وإن كنتَ جائعاً أطعمناك، وإن كنتَ مَديناً، فسنعطيك ما تفي به دينك، وإن كنتَ مطلوباً أجرناك.
ـ أنا مَدين يا شيخ.
ـ اطلب وتمنَّ... وقل لنا من هو الدائن حتَّى نفي دينَك.
ـ أنا مَدين لكم.
ـ لنا؟! من أنت يا أخي؟ ليتك تعرّفني على شخصك.
حاول الرجل أن يجيب الشيخ، فتعثّر لسانه، ولم ينبس ببنت شفة، وأخذت دموعه تهطل بغزارة.
ـ هل أنت أجنبي؟
حرّك الرجل سبّابته بالنفي.
ـ عجباً! تفهم ما أقول، ولا تتكلم؟
أخرج الرجل من جيبه منديلاً قماشياً، وجفّف دموعه على عجل، ثمَّ فتح جيب حقيبته الجانبي، وأخرج وريقة صفراء قديمة، وقدّمها إلى الشيخ بكل احترام.
عقلت الدهشة لسان الشيخ، وهو ينظر مليّاً في الورقة المهترئة، وزادت دهشته عندما رأى توقيعه عليها، فصاح مهللاً مكبّراً بأعلى صوت:
ـ الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر.
أسرع علي بك والمحافظ والأستاذ جلال والأستاذ ثابت إلى الشيخ وهو يكاد يبلّل الوريقة الصفراء بدموعه...
قال علي بك مستغرباً:
ـ ماذا أصابك يا شيخ؟ لقد أفزعتنا.
كانت الدموع تملأ عيني الشيخ، وهو يقرأ تلك الوريقة. أخرج الشيخ منديله، فجفّف دموعه، وقدّم الوريقة إلى علي بك الذي صاح بأعلى صوت عندما قرأها:
ـ الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر.
وتعالى صياحه عندما رأى توقيعه أيضاً عليها.
ـ ما هذا يا شيخ؟
ـ إنها الحقيقة يا أبا راغب، التي لا تخفى وإن طُمست إلى حين.
ـ اسمعوا يا إخوتي... إن هذا الشاب هو /سورين/ ابن الشهيد أحمد الصباغ.
كانت الألسن تتساءل:
ـ كيف عرفوا ذلك؟ وما هذه الوريقة؟
قال علي بك:
ـ إن هذه الوريقة هي وثيقة زواج هاصميك بأحمد الصباغ.