تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أطلبُ من الجميع أخذ الحيطة والحذر، وأياديكم على الزناد دائماً، فالانفجار قد يقع بعد الأيام الثلاثة حتماً إن لم يرحلوا عن أرضنا، وأنا سأواصل الاتصالات مع شيوخ العشائر والوجهاء والوطنيين، وسأوافيكم بكل ما هو جديد.

اذهبوا يا إخوتي إلى بيوتكم، ولا تنسوا تنفيذ مهامكم النضالية.

رحل الجميع، وبقي علي بك وحيداً يفكّر، وكلّما تذكر قافلة الشهداء الأخيرة يعتصر رأسه، وتقطر من عينيه الدموع:

ـ رباه! أيرحلون دفعة واحدة وأبقى أنا وحيداً؟! لِمَ لم تأخذني مع قافلتهم؟ يا رب ساعدني...

دخل المضافة ستة طلاب من تجهيز الفرات، قدّموا أنفسهم إلى علي بك (إسماعيل ومصلح وعلاء وفوزي وصالح وسليمان):

ـ أهلاً بكم جميعاً... تفضلوا.

ـ أهلاً بك يا عمّاه. لا نريد أن نأخذ وقتاً منك. فقد أردنا أن نقول لك بأننا أعضاء جمعية الطلاب السرية التي لم يعرفها أحدٌ غيرك بعدُ.

جئنا إليك لتحمّلنا أثقالنا، لأننا لا نريد أن نتصرّف بغير مشورتك.

ـ اسمع يا ولدي مصلح... الآن جاء دوركم بعد أن استشهد رفاقي، وعبّدوا لكم طريق الحرية والكرامة... العدو الغاصب ما زال يحتل أرضنا بالرغم من أن فترة إقامته كما أراها ليست طويلة، لكنه يجب أن يخرج بالقوة، لا نريد مِنّةً من أحد. عليكم أن تحرّضوا الشعب، والطلبة في مقدّمتهم، وتلتفّوا حول المناضلين أمثال جلال وسعيد وثابت وعبد الوهاب وراغب وياسين وسلطان وغيرهم، وحقّقوا الشيء الذي لم نستطع نحن تحقيقه.

ـ يا عمّاه... أنت حققت ورفاقك كل شيء، ونحن سنكمل المشوار. ثق بي وبرفاقي.

دخل ياسين وسلطان المضافة وهما يرغيان ويزبدان، فلما رأيا عليّاً وضيوفه صمتا. نظر إليهما علي بك باستغراب، وقال بصوتٍ خفيض:

ـ ماذا جرى لكما؟ تحدّثا... لا أحد غريب هنا.

قال ياسين:

ـ الانتفاضة في الميادين والقورية تشهد تحوّلاً خطيراً.

ـ ماذا جرى؟

ـ استطاع المناضلون في الميادين نصب كمين لحافلة تقلّ عدداً كبيراً من الضباط الفرنسيين قادمة من البوكمال، فدمّروها بمن فيها، وقتلوا أيضاً أربعة عشر جندياً فرنسياً كانوا قد جاؤوا لحمايتها، والميادين الآن محاصرة. هبّ أهل القورية لفكّ الحصار عنها، فالتحموا مع القوات الفرنسية وقتلوا أعداداً كبيرة من جنودهم وضباطهم، والجو متوّتر الآن، ونريد منك إجراءً سريعاً لنجدة أهلنا في الميادين، خاصّة وأن قوة كبيرة اتجهت الآن إلى موقع الأحداث.

صمت علي بك طويلاً:

روايات · الصفحة ١٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٢