ص -175- وأرسل الله على المشركين جنداً من الرّيح، فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قِدْراً إلاّ كفأتها، ولا طُنُباً إلاّ قلعته، وجنداً من الملائكة يزلزلون بهم، ويلقون في قلبوهم الرّعب، كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾1.
وأرسل رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حُذيفة بن اليَمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال، وقد تَهيّؤوا للرّحيل، فرجع إليه، فأخبره برحيلهم.
فلمّا أصبح رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ انصرف عن الخندق، راجعاً والمسلمون إلى المدينة، فوضعوا السّلاح، فجاءه جبريل، وقت الظّهر، فقال: أقد وضعتم السّلاح؟ إنّ الملائكة لم تضع أسلحتها، انهض إلى هؤلاء ـ يعني بني قريظة ـ فنادى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: ((مَن كان سامعاً مطيعاً فلا يصليّنّ العصر إلاّ في بني قريظة))2.
فخرج المسلمون سراعاً، حتى إذا دنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من حصونهم، قال: ((يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنْزل بكم نقمته؟ وحاصرهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خمساً وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرّعب. فقال لهم رئيسهم كعب بن أسد: إنّي عارض عليكم خلالاً ثلاثاً، خذوا أيّها شئتم: نصدق
1 الآية 9 من سورة الأحزاب.
2 الحديث رواه البخاري عن ابن عمر في باب مرجع النّبِيّ من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة، ورواه مسلم أيضاً.