ص -128- قالت عائشة: فجهزناهما أَحَثَّ الجهاز. وصنعنا لهما سُفْرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوْكَتْ به فم الجراب، وقطعت الأخرى عصاماً للقربة، فبذلك لقبت: "ذات النّطاقين".
ومكثا في الغار ثلاثاً، حتى خمدت نار الطّلب. فجاءهما ابن أُريقط بالرّاحِلتَين فارتحلا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهيرة.
قصة سراقة بن مالك:
فلمّا أيس المشركون منهما جعلوا لِمَن جاء فيهما دية كلّ واحدٍ منهما، لِمَن يأتي بهما أو بأحدهما. فجدّ النّاس في الطّلب. والله غالب على أمره.
فلمّا مروا بحي من مُدْلج مُصْعِدين من قُدَيد. بَصُر بهم رجل فوقف على الحي. فقال: لقد رأيت آنفاً بالسّاحل أَسْوِدة، وما أُراها إلاّ محمّداً وأصحابه.
ففطن بالأمر سُراقة بن مالك، فأراد أن يكون الظّفر له، وقد سبق له من الظّفر ما لم يكن في حسابه. فقال: بل هما فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهما، ثم مكث قليلاً، ثم قام فدخل خباءه، وقال لجاريته: أخرجي بالفرس من وراء الخباء وموعدك وراء الأكمَة، ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يَخُط به الأرض حتى ركب فرسه. فلمّا قرب منهم، وسمع قراءة النّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وأبو بكر يكثر الالتفات، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لا يلتفت، قال أبو بكر: يا سول الله، هذا سراقة بن مالك قد رَهَقنا. فدعا عليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فساخت يدا فرسه في الأرض.