معناهما الشرعي.
الصلوات المفروضة.
الصلوات المفروضة والنوافل.
وجميعها معان متقاربة، وإنما خص الركوع والسجود من بين أفعال الصلاة لأن سائر أشكال المصلي موافق للعادة عداهما فبهما يتبين الفضل بين المصلي وغيره (6) ، ((وهذا الوصف يفيد التذكير بهذه الهيئة وتمثيلها للقارئ والسامع)) (7) لمكانتهما البالغتين في الصلاة حيث يكمن فيهما الخشوع والتذلل لله رب العالمين.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (الحج/77) :
الظاهر أن المراد بالركوع والسجود على الحقيقة الشرعية، أي اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله وحده (8) ، قال الفراء (ت207هـ) : ((وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ : كان الناس يسجدون بلا ركوع، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع قبل السجود)) (9) .
ومن العلماء من قال: إن معناهما صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، والمراد أن مجموعهما كذلك (10) ، وهو لا يختلف عن المعنى السابق.
قال البقاعي (ت885هـ) : ((وخُصّ هذين الركنين في التعبير عن الصلاة بهما لأنهما _ لمخالفتهما الهيئات المعتادة _ هما الدالان على الخضوع، فحسن التعبير بهما عنها جدا في السورة التي جمعت جميع الفرق الذين فيهم من يستقبح _ لما غلب عليه من العتو _ بعض الهيئات الدالة على ذلك)) (11) ، وسيأتي ذكر بعض هؤلاء المعاندين في المبحث الثاني.
وقيل: المعنى ((اخضعوا لله تعالى وخُرُّوا له سجدا)) (1) وهذا القول لا يعوّل عليه، لأن فيه تفريقا بين معنيي الركوع والسجود بلا مستند، وفيه تكرار لقوله تعالى بعده: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ ، الذي معناه: ((وذلوا لربكم واخضعوا له بالطاعة)) (2) .
ولعلّ الداعي إلى هذا القول الضعيف التأكيد على كون هذه الآية من مواضع سجدات التلاوة، حيث اختلف العلماء فيها، فذهب الشافعي (ت204هـ) وأحمد (ت241هـ) وآخرون إلى عدها من السجدات، وهذا يتمشى مع من قال أن الركوع والسجود على حقيقتهما الشرعية (3) ، وذهب أبو حنيفة (ت150هـ) ومالك (ت179هـ) إلى عدم عدها، وهذا يتمشى مع من حمل الآية على الصلاة حيث جمع فيها بين الركوع والسجود (4) ، والراجح عدّها ضمن سجدات التلاوة، لما رواه أحمد (ت241هـ) في مسنده عن عقبة بن عامر (ت58هـ) رضي الله عنه أنه قال: قلت يارسول الله: أَفُضِّلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: ((نعم، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) (5) .
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ . (الفتح/29) : تضمنت هذه الآية وصفا لجميع الصحابة رضي الله عنهم (6) ومعنى قوله تعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ : أي ترى هاتين الحالتين كثيراً فيهم)) (7) ، فهما على معناهما الشرعي، ومن العلماء من فسرهما معا بالصلاة (8) ، فيتمحض الفعلان للصلاة، والمؤدى واحد، لأن الركوع والسجود لا يكونان إلا في صلاة، وهما أبين هيئات المصلي، والتعبير بالمضارع في ﴿تَرَاهُمْ﴾ يدل على استمرارهم على ذلك وكثرته منهم رضي الله عنهم (9) .
وكذلك اختلفت عبارات السلف في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ، فمنهم من ذكر أنه السجود المعروف، ومنهم من عبر بالصلاة (1) ، ولا تضاد بينهما، ثم اختلفوا في ﴿سِيمَاهُمْ﴾ هل هي في الدنيا أو في الآخرة، والأولى العموم، كما قال الطبري (ت310هـ) : ((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه أخبرنا أن سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثر السجود، ولم يخصّ ذلك على وقت دون وقت، وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كل الأوقات، فكان سيماهم الذي كانوا يعرفون به في الدنيا أثر الإسلام، وذلك خشوعه وهديه وزهده وسمته، وآثار أداء فرائضه وتطوّعه، وفي الآخرة ما أخبر أنهم يعرفون به، وذلك الغرّة في الوجه، والتحجيل في الأيدي والأرجل من أثر الوضوء، وبياض الوجوه من أثرالسجود)) (2) فلم تكن سيماهم حسية فحسب، وليس المراد أنهم يتكلفون إظهار ذلك على وجوههم، ولكنه يحصل من غير تعمّل ولا قصد رياء (3) .