ودخل في ذلك أيضاً المبتدأ؛ لأنه خبر عنه كالفاعل، نحو: قَامَ زيدٌ، وخَرَجَ عمروٌ، إلا أن خبر المبتدأ يكون بعده، عكس الفاعل، فتقول: زيدٌ قائمٌ، وعمروٌ خارجٌ.
ودخل فيه أيضاً اسم (كان) وأخواتها، نحو قولك: كان زيد قائماً، يعني فيما مضى، (فأقمت (كان) مقام قولك فيما مضى) (349) ، فأعملت عمل الأفعال، فرفع المبتدأ بها، ونصب الخبر، فقيل: كانَ زيدٌ قائماً، كما قيل: ضرب زيد عمراً؛ لأنها فعل مثل (350) (ضرب) وإن كانت تدل على الزمان دون المعنى، و (ضرب) يدل على المعنى (351) والزمان معاً.
ودخل في ذلك أيضاً خبر (إن) وأخواتها نحو: إن زيداً قائم؛ لأن الاسم يشبه المفعول، والخبر الفاعل، وقال بعضهم غير ذلك (352) .
القطب الثاني: المفعولية: وكل منصوب عائد إليها إما لكونه مفعولاً أو مشابهاً للمفعول أو مشابهاً للمشابه للمفعول.
فأما المفعول فيكون على خمسة أقسام:
الأول: مفعول به، وهو ما وقع به الفعل المسند إلى الفاعل، نحو: ضربت زيداً.
الثاني: مفعول فيه، (وهو ما وقع الفعل فيه) (353) ، ويسمى ظرفاً، نحو: سرت اليوم، وجلست عندك، وهو منصوب بنزع الخافض (354) .
الثالث: المفعول له، وهو ما وقع الفعل لأجله ولسببه، نحو قولك: جئتك ابتغاء الخير، وهربت خوف الأسد.
الرابع: مفعول معه، وهو ما اجتمع مع الفاعل على الفعل، نحو قولك: استوى الماء والخشبة.
الخامس: مفعول مطلق، وهو المصدر، وسمي مصدراً مطلقاً؛ لأنه هو المفعول الحقيقي الذي أحدثه الفاعل وأوجده بعينه، كالماء الذي يصدر عنه الإبل.
ومن المنصوب العائد إلى المفعولية التعجب، كقولك: ما أحسن زيداً، ففي (أحسن) ضمير يعود إلى (ما) ، ومحل (ما) مرفوع بالابتداء.
ومنه أيضاً المنادى، نحو: يا عبد الله، ويا رجلاً عاقلاً، وهما منصوبان بفعل مضمر يقوم مقامه (355) ، التقدير: أنادي عبدَالله، وأدعو رجلاً عاقلا، وما كان من المنادى مفرد (356) ، فمبني على الضم، نحو: يا زيدُ، وبيانه أن حق المنادى أن يكون ضميراً كالمخاطب، فقولك: يازيدُ، تقديره: ياك، فلما وضع الاسم المتمكن موضع الكاف بني على الضم نظير حروف الغاية، نحو قولك: من قبل ومن بعد، ومنه أيضاً الإغراء والتحذير، نحو قولك للرجل: الطريق الأسدَ (357) الأسدَ، ومنه قوله تعالى:
} نَاقَة َاللهِ وَسُقْيَاهَا} (358) ، تقدير ذلك: خَلِّ الطريقَ (359) ، واحذر الأسدَ، واحذروا ناقة َ الله وسقياها.
ومنه أيضاً المستثنى، نحو: جاء القوم إلا زيداً، (أي: أستثني زيداً) (360) فهو ملحق بالتمييز؛ لأنك أخرجته من القوم وصار بالاستثناء مميزاً عنهم.
وأما المشابه للمفعول، فكخبر (كان) وأخواتها، واسم (إن) وأخواتها، كما مرّ.
ومنه التمييز كقولك: فلانة أحسن الناس وجهاً، (فالوجه مشابه للمفعول) (361) ، وكذلك نحو: عشرون درهماً مشابه (362) للضاربين زيداً، ويقال للتمييز مفعول فيه.
ومنها أيضاً الحال، نحو قولك: جئت راكباً، مشابه للمفعول فيه من أجل أن المختار في الظروف الفتح، لكن لا يخفى أن الحال أضعف نصباً من المفعول؛ لأن العامل فيها الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول به، ويقال للحال مفعولاً عليه.
وأما المشابه للمشابه للمفعول، فكقولك في نفي النكرة: لا رجلَ في الدار، العامل في (الرجل) (لا) وهي ملحقة ب (أنَّ) ؛ لأنها نقيضتها، وذلك لأن حرف (لا) يقتضي النفي، وحرف (أنّ) يقتضي الإثبات، فوجب أن تنصب الأسماء كما تنصبها، وإنما بُني الاسم مع (لا) ؛ لأنه جواب كقول القائل: هل من رجل في الدار، فتقول: لا من رجل في الدار، فلما حذف (من) تضمن الكلام معنى الحرف، والحروف كلها مبنية، وقيل (الرجل) مع حرف (لا) مشبه ب (خمسَة عشر) و (حضرَ موت) ونحوها، ولهذه العلة امتنع من التنوين، وهذا القسم يعود إلى المفعول به فافهم (363) .