حاسة النقد التاريخي عند ابن الفرضي وأثرها على موقفه من مصادره:
إن ابن الفرضي العالم، الحافظ، الراوية، المحدث، الفقيه، القاضي، الناقد قد تعامل مع مصادره المختلفة حسبما يقتضيه المنهج العلمي لمن هو بمثل هذا المستوى من النضج العلمي، إذ أن هذه المزايا العلمية، وتلك المواهب، والقدرات الشخصية قد مكنته من الإحاطة بمصادره والتعامل معها بصدق وأمانة، حيث ينسب الروايات والأخبار إلى مصادرها، أو قائليها في الأعم الغالب، كما أنه - أحياناً - لا يكتفي بالنقل بل يناقش، ويحلل بعض الروايات معتمداً في ذلك على الدليل والحجة سواء أكانت نقلية، أو استنباطية، ويدرك من يتتبع هذا المنهج التحليلي عند ابن الفرضي أن حاسة النقد التاريخي كانت لديه قوية، وقد بدا هذا واضحاً خلال تعامله مع مصادره إذ لم يكن يقبل كل ما ذكرته المصادر على أنه قضايا مسلم بها، بل كان يحلل ويناقش، كما كان ينتقد ويرد بعض الروايات والأخبار، ومن خلال تتبعنا لهذا المنهج بدت لنا القضايا التالية:
- أنه يحلل ويناقش بعض الروايات والأحاديث التي يسوقها والتي قد يبدو عليها الضعف أو الاختلاق، ويبين رأيه فيها، ومن ذلك قوله: (أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي دليم ومحمد ابن يحيى بن عبد العزيز قالا: نا أحمد بن خالد قال: نا محمد بن وضاح قال: نا آدم بن أبي إياس العسقلاني قال: نا أبو محمد قتيبة عن أبيه عن شيبان عن أبي طبية الجرجاني قال: قال رسول الله ش من رابط بعسقلان ليلة، ثم مات بعد ذلك بستين سنة مات شهيداً، وإن مات في أرض الشرك) (1) ، وقد علق ابن الفرضي على هذا الحديث بقوله: (قال عبد الله ابن محمد - يعني نفسه-: وهذا الحديث منكر جداً) (2) .كما روى عن محمد بن منصور المرادي الأندلسي قوله: (أخبرنا أبو زكريا العائذي قال: نا الحسن بن رشيق قال: نا أبو بكر محمد بن منصور المرادي الأندلسي قال: نا أبو إسماعيل الأيلي حفص بن عمر، قال: حدثني ثور بن يزيد عن يزيد بن مرثد، عن أبي رهم قال: سمعت رسول الله ش يقول: " إذا رجع أحدكم من سفره فليرجع إلى أهله بهدية فإن لم يجد إلا أن يلقى في مخلاته حجراً أو حزمة حطب فإن ذلك مما يعجبهم " (3) .
وقد علق على هذا الحديث بقوله: قال عبد الله بن محمد - يعني نفسه-، وهذا الحديث باطل (4) . لكنه لم يوضح سبب رد الحديث هل هو لعلة في الإسناد أو المتن، ويبدو أنه هنا اكتفى بمنهج بعض المؤرخين بينما يقتضي منهج أهل الحديث ذكر السبب والعلة حتى يقبل كلامه ويؤخذ بما قاله.
(1) المصدر السابق ترجمة 431.
(2) المصدر السابق ترجمة 431.
(3) المصدر السابق ترجمة 1206.
(4) المصدر السابق ترجمة 1206.