تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإني أرى موقف أبي حنيفة وابن أبي ذئب أبرا للذمة، وأرى موقف مالك أسلم في سبيل مصلحة الدعوة والأمة، لاسيما وأن صاحبيه قد أديا فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن موقفه كان أدعى لأن يسمع منه أبو جعفر لو طلب منه إصلاحا لبعض ما فسد، وهذا فيه مصلحة عظيمة، وأراهم جميعا قد وف قوا من غير اتفاق في مواقفهم في تلك الجلسة مع الخليفة، فكل واحد منهم حقق مقصدا شرعيا، وذلك أن كلا من العزيمة والرخصة تحقق المصلحة في مجالها.

ولقد راعى مالك الواقع وظروفه، فالواقع يقتضي عدم الاستعداء، وإن كانت القناعة تدفع إلى القسوة، وإن ذلك ليدل على أن المصلحة أظهر ما يمكن أن يكون مستندا لمالك في موقفه ذلك.

كذلك، برزت المصلحة مؤثرة في اختياره سبيل الإصلاح ورغبته عن سبيل الخروج.

الرازي، فخر الدين، المحصول في علم أصول الفقه، ج2، ص 319، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1408هـ، العضد الايجي، شرح العضد على مختصر بن الحاجب، ج2، ص 239، المطبعة الأميرية، د. ت، العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص12، مكتبة الاستقامة، د. ت. الغزالي، المستضفي في علم الصول، ط1، ص 286-287، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1403هـ، الطوفي، شرح الأربعين النووية، ملحق برسالة المصلحة في التشريع الإسلامي، ص 211، دار الفكر.

وكانت المصلحة أيضا مستنده في دخوله على الأمراء قبل أن يتسلم منصب الرقابة عليهم، على الرغم مما أخذه الناس عليه في ذلك، وقد سبق قوله لما علم بإنكار الناس عليه "ربما استشير من لا ينبغي".

هذه نماذج من مراعاة مالك للمصلحة في سلوكه السياسي، وهي مع غيرها تدل على أن مراعاة المصلحة كانت ثابتا من ثوابت فكره السياسي.

وإن منهج مالك في الاستناد إلى المصلحة لجدير أن يترسم من قبل مدارس الفكر السياسي المعاصر والأحزاب السياسية الإسلامية في مسألة المشاركة السياسية والخطاب السياسي الإسلامي.

تاسعا:- مدى استقلاله عن شيوخه في منهج العمل السياسي.

بعد أن أوضحنا منهج مالك في العمل السياسي سنوضح مدى استقلاله في ذلك عن منهج شيوخه، فنقول:

إن شيوخ مالك كثيرون، اخترت أربعة منهم، ساعرف موجزا بجانب من منهج كل منهم في العمل السياسي، ليتسنى لي المقارنة -توافقا وافتراقا - بين مالك وبينهم، ولكيما أقترب من الصواب وأنا أتقصده وأتلمسه في الحكم على مالك بالاستقلالية أو بالتأثر والتبعية في منهجه السياسي، والأربعة الذين سأتكلم عنهم هم:-

1- ... ابن هرمر، أبو بكر عبد الله بن يزيد الأصم (ت841هـ) تتلمذ عليه الإمام مالك ثمانية أعوام (84) ، واستحكمت المودة بينهما، حتى أفضى إليه ابن هرمز بسره السياسي الخطر، وهو مشاركته في الخروج المسلح على سلطة الحكم العباسية. فابن هرمز كان يرى مشروعية الخروج المسلح ضد من تغلب على الحكم وجعله وراثيا ومما يدل على ذلك الاتجاه الفكري عند ابن هرمز موقفه العملي، فقد خرج مع محمد النفس الزكية سنه 541هـ- يحمل قوسه، فقيل له: والله ما فيك شيء. فقال: قد علمت، ولكن يراني جاهل فيقتدي بي (85) فلم يتحلل من بيعته لمحمد النفس الزكية على الرغم من تحلل الآلاف ممن بايعوا.

فابن هرمز شارك فعليا في ثورة محمد النفس الزكية، ولكن مالكا لم يشارك، مما يدل على استقلال مالك في منهجه، وعدم تأثره بمنهج شيخه.

2- ... ابن شهاب الزهري، أبو بكر بن مسلم المدني بن زهرة، (ت421هـ) ، كان يدخل على الخلفاء ويجالسهم ويتقبل هداياهم، وكان مؤدبا لأبناء هشام (86) .

وقد توافق مالك مع شيخه ابن شهاب في الدخول على الخلفاء وقبول هداياهم، فيروى قبوله عطاء أبي جعفر، فقد قبل ثلاثة ألآف دينار أعطاها له أبو جعفر ليشتري مسكنا له (87) ، كذلك شكى إلى الرشيد دينا ألم به، فأمر له بألف دينار، فلما هم بالانصراف قال: يا أمير المؤمنين: وزوجت ابني محمدا فصار عليَّ فيه ألف دينار; فأمر الرشيد له بألف أخرى (88) وورد أنه سئل عن حكم قبول العطاء فقال:"أما الخلفاء فلا شك، وأما من دونهم فإن فيه شيئا (89) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٩٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٩٣٦