تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكي يثير رغبة السياح ويوجه انتباههم لما يقول، على أن في أولئك الكتاب من كان في أحاديثه مغرضا يرى الحق ويتعامى عنه، ويعرف الصواب ويحيد عنه، كنا نتلمس العذر لأولئك ولهؤلاء، فقد كانت الأبواب موصدة أو شبيهة بالموصدة في وجود الباحثين، أما اليوم فكل واحد في استطاعته أن يستفسر وأن يستجوب، وخاصة إذا كان ينعم بعطف المواطنين وتقديرهم، وخاصة إذا كان من أمثال المستر روم لاندو الذي عاش مرتبطا بالمغرب والمغاربة سواء في أوقات السراء و الضراء ..

لقد اجتمعت بهذا السيد الأستاذ، وقد كان كتب ما كتب عن القرويين، ولكني لم أكن على علم تام بتفاصيل أحاديثه عنها، واليوم وقد أتاح لنا الأستاذ السيد محمد الخطيب، الفرصة، لابد أن تفتح أمام الأستاذ لاندو بعض الصفحات عن تاريخ القرويين:

لقد ذكر الأستاذ أن القرويين أسست في حدود سنة 857، وهي قولة كثيرا ما رددتها كتب المؤرخين الإفرنج، والحقيقة أن القرويين لم يوضع حجرها الأساسي إلا يوم الثلاثين من نونبر 859م (فاتح رمضان سنة 245).

وذكرأن القرويين أصبحت مسجدا جامعا تقام فيه الخطب، وتذكر على منبره أسماء الخلفاء مند سنة 918، ولكن الوثائق التاريخية تؤكد أن ذلك لم يتم إلا سنة 307 أي فيما بين سنة 919 وسنة 920.

والطريف في حديث الأستاذ لاندو عن القرويين هو أنه ذكر أنها تسع مائتي ألف نسمة (200.000) وهو رقم طويل كما ترى، يستدعى أن نرجع إلى معرفة مساحة القرويين:

تقدر الكتب القديمة المسافة بين شرق القرويين وغربها بثلاثمائة وثمانين شبرا، (وما يعادل واحدا وثمانين مترا وسبعين سنتيما)، وبثلاثمائة شبر من الجنوب إلى الشمال أي (ما يعادل أربعة وستين مترا وخمسين سنتيما) فتكون مساحة المسجد خمسة آلاف ومائتين وسبعين مترا مربعا تقريبا، وهو نفس المقياس الذي تعطيه التصميمات الحديثة، فإذا ما أضفنا مساحة الجنائز (200 متر)، وإذا ما دققنا الحساب في الركن الغربي الشمالي (10 أمتار) بلغت المساحة نحوا من خمسة آلاف وخمسمائة متر.

وبعد أن عرفنا المساحة بالأمتار يسهل علينا أن نعرف كم يسع المسجد من المصلين؟ إن البلاط الواحد يسع المسجد من المصلين؟ إن البلاط الواحد يسع أربعة صفوف، في كل صف مائة وستون شخصا على ما يذكره المؤرخون، تلك ستمائة وأربعون، أضفنا إلى مائة وخمسة وعشرين في أساطير البلاط، تضرب في عدد البلاطات الستة عشر يكون المجموع اثنى عشر ألفا ومائتين وأربعين شخصا، فّإذا أسقطت قاعدة الصومعة وبعض الجهات مما لا يمكن أداء الصلاة فيه بقي اعتبار اثني عشر ألف نسمة.

ويرى صاحب القرطاس أن القرويين تسع سبعة عشر ألفا وستمائة وأربعين نسمة، أما إذا أضيف إلى القرويين ما حولها من رحاب وأسواق فإنها ـ كما يقول ـ تسع اثنين وعشرين ألفا تنقص قليلا وتزيد قليلا.

أما صاحب زهرة الآس فيكتفي بثلاثة عشر ألفا، ولعلك وأنت تعرف كم يسعه المتر المربع من بشر، لا تسمح بأن يتجاوز الرقم اثنى عشر ألفا على أكثر تقدير، وهذا ما ذهب إليه كثير ممن تحروا الصواب في الحديث عن القرويين، باستثناء الأستاذ مارتي الذي لم يسمح باحتمال القرويين لأكثر من خمسة آلاف شخص، لكن أحدا لم يصل إلى رقم الذي ذكره المستر روم لاندو، انه (صفر) أضافته مطبعة مجلة العالم الإسلامي؟

وشيء آخر ذكره الأستاذ لاندو في سياق حديثه عن تاريخ القرويين الفكري، ذلك إدعاؤه أن امتحان الأستاذ للطلبة ((لم يكن معمولا به)) مع أن نظام الإجازة من أبرز ما عرفته هذه القرويين مند عصورها الأولى، ويكفي أن نرجع على سبيل المثال إلى حكاية شاهد (1) عيان عن نظام الإجازة، لا في علم الأصول أو الفقه أو الحديث أو الطب مثلا، ولكن في علوم القرآن، ومن ذلك سنعرف القيمة العظيمة التي كانت للإجازة بالقرويين، إنها دون شك كانت أصعب بكثير مما يتخيل.

(1) أبو الحسن علي بن ميمون الغماري، توفي بلبنان سنة 917 (1511 ـ 1512)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨٢٢