تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الموالي على العرب في الدولة، وانتقال العاصمة من الغرب إلى الشرق، إن استقر النشاط كله ودار محوره في العراق وحول العراق. والعراق هو مستودع الثقافات القديمة بألوانها المختلفة، فقد كان ـ إلى ما قبيل الفتح الإسلامي بقليل ـ حافلا بشتى ألوان النشاط العقلي، وحينما انضم إلى الدولة الإسلامية لم تحاول هذه أن تقضي على هذا النشاط، وإن عملت على توجيهه الوجهة التي لا تعارض ـ بل تخدم ـ المبادئ العامة التي انبثقت من تعاليم الدين الجديد للدولة الفتية.

على أن العقلية الإسلامية لم تكتف بهذا التأثير، بل تأثرت هي الأخرى .. إذ لم تكن هذه المواريث الثقافية تتبلور مفاهيمها حتى وجد الفكر الإسلامي فيها كثيرا من الخصوبة والنماء، وإذا صبغة شرقية ذات نكهة جديدة تصبغ العقل الجديد، وما إن يتم الانقلاب العباسي حتى يأخذ سلطان هذه المواريث سبيله إلى الاستقرار والرسوخ، هادفا نحو الملائمة بين كل من الاتجاه العقلي والاتجاه السياسي.

وكانت البصرة خاصة ـ موطن ابن سلام ـ من أهم المواطن التي اتخذت فيها هذه المواريث الثقافية والعقلية مكانا ممتازا، وأتيح لها فيها ما جعلها مصدر نشاط كبير، ومبعث خصب فكري عجيب، ولا سيما حين تجاوبت مع العقل العربي، وزاوجت الثقافة العربية، فأنتجت من الآثار العقلية ما هو جدير بأن يجعل هذه المدينة من أخطر المدن أثرا في تاريخ العقل الإسلامي خاصة، والفكر الإنساني على العموم.

في هذه المدينة ـ البصيرة ـ نشأ ابن سلام نشأته الأولى، ومنها انتقل من بعد إلى دار السلام ـ بغداد العاصمة ـ حيث مكث بها بقية عمره المديد الذي نحوا من ثلاثة وتسعين عاما قضاها متعلما معلما، ألف فيها من الكتب ـ نقلا عن ابن النديم في الفهرست ـ كتاب الفاصل في ملح الأخبار والأشعار، وكتاب الحلاب وأجر الخيل، وكتاب طبقات الشعراء الجاهليين، وكتاب طبقات الشعراء الإسلاميين، ويضيف له ياقوت في معجم الأدباء كتاب غريب القرآن.

ولكن أهم كتبه جميعا هو كتاب الطبقات الذي به اشتهر، والذي تعد مقدمته القيمة النفسية أول ما أنتجه مؤلف عربي، لتصوير معنى النقد الأدبي، ولتحديد الشروط الضرورية في كل من النقد والناقد طبع كتاب الطبقات أول مرة سنة 1913 ـ 1916 م حيث نشره وقدم له بالألمانية يوسف هل، ثم طبعه عن النسخة الأوربية حامد عجان الحديد الكتبي، ثم طبع طبعات أخرى، ولكن أفضلها جميعا هي الطبعة الجديدة بتحقيق الأستاذ الشيخ محمود محمد شاكر الذي يقول في تقديمه ................ [البقية في الـ pdf]

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨٠٩