وثمت جانب آخر كان له أكبر الأثر في اصطناع ظروف تلك الانتفاضة الإنسانية الرائعة ضد «العدوان» المتجسم في الهجوم على مصر، ذلك هو الأمم المتحدة، فقد نشأت هذه المنظمة على اعتبار أنها ستكون أداة لمنع تكرار المأساة الإنسانية التي تتمثل في ملحمة سنة 1939 ورغم أنها كانت قد أصيبت بانتكاسات خطيرة في سبيلها إلى تحقيق هذه الأهداف الكريمة (فلسطين ـ جنوب إفريقيا مثلا) فإنها مع ذلك اقتدرت ـ في مدى السنين السابقة للعدوان ـ على أن تعيد كثيرا من الاعتبار لمركزها كسلطة دولية عليا، قد ساهمت كثير من الأحداث في إقامة هذا الاعتبار، وكان أبرزها نجاح المنظمة الأممية في إقرار الحالة بأذربيجان (1946) واندونيسيا (1946) وكوريا والهند الصينية (1954)، وقد استطاع الأمين العام المستر هامر شولد ـ بما أوتيه من قوة في الشخصية ونزاهة في الخلق وموضوعية في التفكير وتجرد في السلوك ـ أن ينجح إلى حد ما، في تركيز ثقة شعوب العالم حول المنظمة، ويتوفق في إكسابها مزيدا من الهيبة والاحترام، وذلك ما كان من شأنه أن يسهم في تعزيز الرقابة الدولية على التيارات السياسية الموضعية، كما كان له أيضا أن يعين على التحديد من سعة الإمكانيات الهائلة التي تتوفر عليها القوات الكبرى للتأثير على سير العالم نحو الحرب أو السلم، وفي هذا الجو المفعم ببوارق الأمل اتقدت شرارة «العدوان» فكان ـ لو أتيح له أن يصيب القدر المفروض له من التوفيق ـ قاصما لظهر الهيئة الأممية، مبيدا للعناصر المعنوية الأولى التي تستمد منها القوة والنفوذ، منذرا بحلول عهد البعثات الاستكشافية والإرتيادية في أرجاء إفريقيا وآسيا، موعدا بإمكانية نشوء حالة من الواقع التوسعي تعود بذكرياتنا إلى عهود شباب الاستعمار! وعلى هذا فلم يكن أمام شعوب العالم سبيل أخرى غير تلك التي سلكتها في شجب أعمال المهاجمين، وإلا فماذا كان يمكن أن يصير عليه التوازن الدولي في حالة ما لو فقدت الأمم المتحدة سلطانها على صناعي العدوان، وبالتالي على التيار السياسي الذي يوجه المجريات الدولية في العالم؟
فإذا افترضنا أن ذلك لم يكن له أن يساعد على نشوب حرب عالمية ثالثة ـ وهذا افتراض جد لي فقط ـ فإننا حينئذ علة أقرب احتمال، كنا سنعود على الأقل، إلى عهد «المجالات الحيوية» و «مناطق النفوذ» وتسميات أخرى قد تبتدعها الظروف والملابسات في ذلك الوقت .. !
وفي حالة ما لو ثم كل هذا، فإنه لم يكن له إلا أن يخلق حالات سيئة للأوضاع التي تعيش فيها الدول الصغرى، التي تغدو كياناتها آنئذ وهي أكثر تعوضا للأنواء السياسية الإجتياحية، بما فيها ذات التأثير المباشر أو غير المباشر.
على أن ذلك كله لم يكن له ليشكل ملامح هذه الحتمية السياسية، لو لم يكن العدوان من ذلك الصنف الذي لا تغلو إذا نظرنا إليه باعتباره سابقة خطيرة نستطيع أن نؤكد بعد استيعاب جزئياتها وملابساتها وطبيعتها، إنه يعز أن يوجد لها مماثل في عالم ما بعد الحرب، مع استثناء بعض الحالات القليلة الأهمية.
والأمر هنا ليس مجاله السياسة البحتة، بل كذلك الأخلاق، فقد انصرف هم المسؤولين في الغرب إلى العمل على تحديد الأساليب التي يمكن أن تكون هادفة ومصيبة، أما صلة ذلك بالمستوى الدولي في نفسه الأعلى، وما قد يحمله من فعاليات مؤثرة على القيم الثابتة التي يتشكل منها ما ندعوه بالخلق الدولي، فذلك مما لم يكن له عند المهاجرين وزن كبير، فقد أقدموا دون تحرج على ممالأة «دولة» تبرهن الشواهد على أنها مصدر اضطراب وعدم استقرار دائم في منطقة المتوسط الشرقي، وهذا مما تنافرا جوهريا مع المفاهيم والمسلمات العامة التي تخول «للدولتين الكبيرتين» احتلال المقعد الدائم في مجلس الأمن، وبعد أن تم شن الهجوم الإسرائيلي ببضع ساعات بادر الحليفان الغربيان إلى اتخاذ موقف حاسم لفائدة أحد الفرقاء على حساب الآخر، وذلك بالتنا فض مع التصريح الغربي المشترك لسنة 1950، بيد إن مأتى الخطوة المركزي، هو في تدخل القوات الفرنسية ـ البريطانية، تحت ذريعة الحيلولة دون انتشار النزاع وعمومه، وهكذا أقدمت الحكومتان الغربيتان على انتهاج سبيل هذا الضرب من التكتيك السياسي، الذي يرمي إلى استغلال حالات خاصة لتحقيق أهداف التآمر الثلاثي، على عتبة وضع خطير ومريب جدا، فقد كان من المفروض بعدئذ أن تصبح الاضطرابات المحلية ومواطن النزاع الإقليمية، ذريعة قوية لتدخلات دولية على نطاق أوسع، ولو كان الأمر على حساب السلام العالمي.
وهكذا كان من الجائز أن يتزايد خطر الحرب الكونية بصورة واسعة نتيجة لتعدد مناطق الاحتكاك ومظان التوتر، التي تعين على خلق الأجواء الملائمة