دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 138
وهكذا أيضا، لم تكد المجلة تنهي المرحلة كاملة من سنتها الأولى، حتى بدأت تطمئن إلى النجاح.
نعم، أن بلادنا كما أسلفنا تتوفر على طاقات فكرية هائلة، ولكننا لم نبرز بعد بكل قوانا الفكرية إلى ميدان الكتابة والتحرير والتأليف، ولذلك أسباب، كان على رأسها من قبل: الاستعمار، ولا يزال على رأسها حتى الآن مخلفات الاستعمار وتركته الثقيلة العفنة، التي تشغل الفكر، وتخلق المشاكل، وتشعب السبل، وتعتقد الأشياء.
إننا لا نريد أن نتخذ من الاستعمار مشجبا نعلق عليه كل نقائصنا وخطايانا، ولكنا نريد فقط، أن نوضح الحقيقة، وان نضع أصابعنا على مكمن الداء، على إلا يشغلنا كل ذلك على البحث عن أسباب أخرى، قد تكون أسبابا قائمة بذاتها، وقد تكون مجرد مضاعفا أو مظاهر للداء الأصلي الذي هو الاستعمار.
* *
*
إن في بلادنا جيلا كاملا من المثقفين، كان لإفراده بيننا فضل دق ناقوس الخطر، وفضل الإنارة والتوجيه، وفضل التعليم، وفضل الكفاح في جميع الميادين، وفضل التبشير بمستقبل حر، وفضل العمل من اجل حقيق الاستقلال، ومن اجل تطوير الحياة الاجتماعية والنهوض بها، لاكنا مع ذلك، نكاد نخسر هذا الجيل في ميدان الكتابة والتحرير والتأليف.
لماذا؟
لأن أفراد هذا الجيل لم يتعودوا أن يكتبوا!!
أما لماذا لم يتعودوا أن يكتبوا، فإن المسؤول عن ذلك هو الاستعمار، الاستعمار الذي يخاف الكلمة المكتوبة لأنه يعرف معناها وعملها وتأثيرها، ويستطيع في نفس الوقت أن يقف في وجهها وان يمنعها بوسائل قد لا تتاح له في مقاومة الكلمة المنطوقة، وان كان خوفه من هذه أيضا لا يقل عن خوفه من أختها السابقة.
وهكذا تعود أفراد هذا الجيل أن يتكلموا ويقنعوا وان يجلوا في الكلام، وان ينفقوا منه عن سعة وعلم وإدراك وخبرة وفلسفة وثقافة، وكانوا يتكلمون خارج بلادهم على السلسة والعلماء والحكام والنواب ومحرري الصحف ومندوبي الإذاعات، وكانوا يتكلمون داخل بلادهم على الطلاب والعمال والفلاحين، وكانوا يدافعون عن مشروعية حركتهم، وأعمالهم في جلسات الاستنطاق، وفي محاكم الاستعمار، بالحجة والمنطق والعقل والقانون، كانوا يتكلمون في كل مكان يستطيعون أن يغافلوا فيه الاستعمار، فإذا اضطروا إلى مواجهته، تكلموا أيضا، دفاعا عن حقهم وحق وطنهم في الحرية والكرامة والاستقلال، لكنهم مع ذلك لم يكونوا يستطيعون أن يكتبوا.
فإذا حاولوا الكتابة، فغن عليهم أن يضعوا نصب أعينهم مقدما، قلم الرقابة، وقاضي التحقيق، والمحاكمات الشكلية، وتهم المس بالدولة الحامية، ثم ما يتبع كل ذلك من السجن والنفي والعذاب والتشريد.
وبالتدريج، فقد أفراد هذا الجيل القدرة على الكتابة، لان الكتابة مران ورياضة، وظل مكانهم شاغرا في الصحيفة والمجلة والكتاب، وتركوا فراغا في ميدان الكتابة والتحرير والتأليف، قد لا يستطيع غيرهم أن يملأه، إلا أن تتاح له ثقافتهم وتجربتهم وخبرتهم واتصالاتهم الواسعة، ومعرفتهم بأصناف الناس، وطبيعة الجماهير وحاجاتها، وغير ذلك مما هو نتيجة نحو من ثلث قرن، قضاه أفراد هذا الجيل في العمل والكفاح والتبشير ومغالبة الاستعمار.
وإذا كان بعض أفراد هذا الجيل-واعني الأستاذ علال الفاسي- قد شذ عن هذه القاعدة، وقد استطاع أن يحتفظ رغم كل ما ذكرنا، ورغم أشياء كثيرة أخرى، بمقدرته الخارقة على الكتابة والمحاضرة والتأليف، فإنما ذلك-كما يعبر عنه غير واحد من أفراد طبقته نفسها- «معجزة» وهم يعنون أنها حالة خاصة، ترجع إلى عوامل أخرى شخصية ذاتية، مما لا يتأتى لكل الناس.
* *
*
وهناك الجيل الناشئ نفسه من المثقفين، وقد تعلم كثير من أفراده في أرقى المدارس والكليات داخل القطر وخارجه، وحصلوا على أرقى الشهادات، وشغلوا أرقى المناصب في الدولة، وفيهم من يقرا باستمرار رغم مشاغله الكثيرة، ومن يتوفر على أفكار وآراء خليقة بان تكتب وتقرأ، لكن الخسارة في هؤلاء أيضا أنهم تلقوا تعليمهم كله بلغة أجنبية، ولم تتح لهم الفرصة ليتعلموا فيستطيعوا أن يكتبوا بها، ليساهموا في اثرئها من جهة، وليساهموا من جهة أخرى في خلق ثقافتهم القومية الخاصة، وعند ما نبحث عن أصل الداء هنا أيضا، نجد انه الاستعمار والاستعمار لا غير.
وإذا كان بعض أفراد هذه الطبقة، قد أتيح لهم أن ينفذوا من السد المنبع الذي أقامه الاستعمار في وجوههم، فعرفوا لغتهم وعرفوا حاجتهم إليها، وتعلموها بالقدر الذي يساعدهم على الاستفادة منها والإفادة بها، إذا كان بعض أفراد هذه الطبقة قد أتيح