دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 136
فأية طلاوة الشعرية تجدها فيهما؟ وأي معنى جميل احتوياه؟ وما السر في عطف الباطل على الضلال ثم أليس في الأخبار (بشيء) في البيت الثاني منتهى الابتذال؟ ما ابعد البيتين عن الأسلوب الشعري الأنيق الذي تلمسه في بعض مقاطع القصيدة.
وهل يعفني السيد الحلوي فيطلعني على ما يريده بقوله-مخاطبا المستعمرين:
فارقبوا منه لعنة ملؤها الخز
ي تعضون بعدها الاقداما
الذي اعرف أن الغريزة البشرية تجعل الإنسان بعض بنانه-لا قدمه- ندما، فمنى أصبحت الأقدام تعض ولو من فرط الندم؟ أهو شيء جديد في الغريزة الإنسانية؟ أم هي صورة من وحي عبقرية الشاعر؟؟ أما أنا فقد قصر خيالي عن تصور ملعونين يعضون الاقدام ... وقد توقفت مليا عند قول الشاعر:
إن الله أعينا تتقراكم وبطـ
ـشا يزجي به الاياما
فهل لا يرى القارئ معي أن كلمة يزجي في البيت أكرهت على مكانها أكراها وإلا فأي معنى مستقيم يكمن في قول الشاعر: إن الله يزجي بالبطش الأيام؟.
أما قوله:
ارمها يا فتى الجزائر نارا
تسكن الذاعر الائيم الرجاما
فأظن أن الصناعة البلاغية تستنكر فيه فقدان التوازن بين الذاعر-وهو مفرد- والرجام وهو جمع، وأنا اربأ بالسيد الحلوي أن يلجأ في رد هذه الملاحظة إلى بعض الافتراضات المتكلفة، التي نمه-مثلا- أن (الـ) في الذاعر للجنس فهو على نية الجمع، فمثل هذا إذا استساغه الذوق الأدبي قبل اليوم، فلا ينبغي بأي حال أن نعتمده في تحليل شعر يتسم بالطابع العصري، كما لا استحسن-لنفس السبب- الحذف والتقدير في قوله:
واسق أرضا قد كان قبلك اجـ
ــداد سقوها دماءهم أن تضاما
وعلى أي فهذه ملاحظات اشهد أنها لا تفسد جمال القصيدة، ولا تذهب برونقها ورشاقتها.
***
بقي هناك شيء، طالما كنت أود أن أهمس به في أذن السيد الحلوي، ذلك أنني لا اعرف كيف أوفق بين صفتين متناقضتين فيه، فهو شاعر مطبوع، ما في ذلك عندي شك، إلا أنه لا تكاد تسلم قصيدة واحدة له من خلل في الوزن تمنى به في البيت أو أبيات، بل لم تسلم منه حتى بعض قصائده التي نالت فيما اذكر جائزة العرش، وعلى سبيل المثال تحضرني القصيدة التي نشرت له في العدد التاسع من هذه المجلة تحت عنوان: (يوم أبصرتها) ولا أريد أن أعود إليها بعد أن مضى على نشرها أكثر من شهرين. «وصرخة الجزائر» نفسها لم تسلم من تلك العاهة المشؤومة، بل لعل حظها منها كان أوفر، كما لم تسلم من تكرار بعض القوافي، الشيء الذي يمجه الذوق الشعري السليم، وأن كان مباحا عند العروضيين وفق شروط
وإلى القارئ الأبيات «المرضوضة» مع استسماح الشاعر في إعادة نشرها بنصها:
ويشبونها جحيما على الرا
عي ليلقي من قبضته الزماما
*
كلما مر عام ترجوا
لانتصاراتهم على الحق عاما
وارى القوم كيف تفترس الغيـ
ـد ويخشى المستأسدون الرئاما
أرسلي النظرة الحنون شواظا
يتنزى ويزدري الاعجاما
*
لهفي للأيدي النواعم كانت
تنسج البرد أو توشي اللثاما
لهفي للأيدي النواعم تدميـ
ــها قيود المستعمرين انتقاما
*
واظنني في غنى عن تنبيه الشعار إلى مواطن الكسر في الأبيات، ولعله-وهو فيما قيل لي- مدرس العروض بالقرويين! يعرضها على محك (الخفيف) حتى إذا تبين له ما أصيبت به من رضوض، جبر كسرها، وأقامها على نسق بقية الأبيات الأخرى.
ملاحظ