دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 125
والدولة السعدية قد انتهت بالضبط يوم وفاة المنصور الذهبي، ولو أنها استطاعت أن تغالب سكرة، الموت بعده نحوا من سبع وخمسين سنة، تعاقب فيها على العرش من أبنائه وأحفاده نحو من سبعة ملوك،
ونحن نقول: (نحو من سبعة ملوك) لان تعدادهم بالضبط عسير كل العسر، فهم لم يكونوا ملوكا بالمعنى الصحيح، وغنما كانوا رؤساء أقطاعات، وثوارا، ومحاربين.
كان الواحد منهم يقضي حياته-وهو بعيد عن العرش-في ثورة، ويقضي حياته- وهو على العرش- في رد عادية الثوار عن عرشه.
أما الشعب فقد كان موزعا بينهم، يعطي اليوم ولاءه لهذا، لينتزعه منه غدا، ويعطيه لأخيه أو ابنه أو ابن عمه، أو ينتقل به على أسرة أخرى، أما لأنه يعلق أملا، وأما لأنه يجد عندها من الخبز أكثر مما يجد عند غيرها، فقد كان الشعب نفسه في هذه الفترة يعيش نكسة روحية، وكان اليأس قد استبد به فصرفه عن كل مثل أعلى، وكان الفساد في العرش ينعكس على الشعب كله، فإذا هو مريض العقل والشعور والوجدان، يعيش نهاره في طلب حاجاته المادية، ويسمر ليله في ترديد كرامات الأولياء والدراويش والمجاذيب والمعتوهين.
*
ونحن لا نريد هنا أن نصدع دماغ القارئ الكريم، بالدخول به تفاصيل النزاع حول العرش في هذه الفترة الحالكة من تاريخ المغرب، فنحن ارحم به من ذلك، نحن ارحم به من أن نزج به في إعصار لإقرار له ولا أول ولا أخر، ويكفي أن نقول: أن الطابع الذي يتسم به تاريخ المغرب في هذه الفترة، هو الفوضى، والاضطراب، وتوزع المسؤوليات، والاستهانة بها، وكثرة الطامعين في العرش والمرشحين له من السعديين وغير السعديين، وان الشعب في هذه الفترة، لم يكن مهيأ للقيام بأي عمل ايجابي، فقد كان من السهل على كل تأثر أن يجذبه غليه، وان يرمي به وقودا رخيصا على معركة. وقد لجأ الشعب في هذه الفترة، وفي وسط هذا الظلام المخيم الحالك، على نوع من الروحية المريضة الجاهلة، يتطلب البركات والكرامات ويتأول الأحلام، ويتمسح بالأضرحة، ويتلو الأوراد.
*
وفجأة، ومن غير مقدمات ولا إرهاصات، وفي وسط هذا الخصم الهائل من الفوضى والاضطراب، ظهر في الميدان البطل الشعبي (محمد العياشي) ليحارب الأسبان والبرتغاليين وبدافعهم عن شواطئ المغرب التي أصبحت هدفا سهلا لمغامراتهم وقرصنتهم وجشعهم الذي لا حد له، وليتعرض لاضطهاد السعديين الذين ضاقوا درعا بظهوره، خصوصا عندما بدأت القوى الشعبية تتمل من حوله، وليعاني من الخيانة والارتشاء الذين كانا متفشيين في رجال الحاشية ولتنتهي حياته بمأساة على يد الشعب الذي كافح طول عمره لينقذه من الظلم والإقطاع والاستعمار.
*
كان على العرش عند ما ظهر محمد العياشي في الميدان الأول مرة سنة 1604 الملك السعدي زيدان بن أحمد المنصور الذهبي، وكان محمد العياشي من مدينة (سلا) كان طالبا بها، ومريدا لشيخ من شيوخها المشهورين بالعلم والكرامة، لكنه ظهر في الميدان لأول مرة في ناحية (آزمور).
وقصة انتقال محمد العياشي من مدية (سلا) إلى ناحية (آزمور) -كما يرويها التاريخ- قصة طريفة تمتزج فيها الخرافة بالتاريخ امتزاجا يبعث على الشك في تصديقها، مهما يكن، فقد ظهر العياشي في ناحية آزمور، داعيا للجهاد ضد البرتغاليين في (الجديدة) التي كانوا قد استولوا عليها من قبل وحضنوها واستقروا بها، مغتنمين ضعف الدولة وعجزها عن مقاومتهم والنهوض غليهم، وانشغالها بالثورات والحروب الداخلية والنزاع حول العرش، فقد روى التاريخ-فيما روى- أن (زيدان) الملك السعدي الذي ظهر (محمد العياشي) في عهده، قضى ملكا أو كملك، خمسا وعشرين سنة، لم تخل سنة منها من حرب له مع إخوانه وأقاربه والخارجين عليه!!
ولم تكن كلها حروبا أو ثورات سهلة يسيرة من النوع الذي يمكن القضاء عليه بسهولة، فقد بلغ من خطورة بعض هذه الحروب والثورات، إن طوحت به بعيدا عن عاصمته ومقر ملكه (مراكش) إلى مدينة (تلمسان) بالمغرب الشرقي، يطلب العون من الأتراك العثمانيين الذين كانوا يحكمون الجزائر إذ ذاك، على استرجاع عرشه الضائع.
*
كان البرتغاليون يحكمون (الجديدة) بقوة الحديد والنار، وقد بلغ من هوان الشعب على نفسه وعلى المحتلين البرتغاليين، أنهم لم يعودوا يقيمون له وزنا،