دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 30
البنية ليست شرطا للحياة
ذكر في مفاتيح الغيب، وفي المحصل، أن البنية ليست شرطا لوجود الحياة، خلافا للمعتزلة والفلاسفة، ويعني بالبنية الجسم المتعارف، وقد بنى على هذا أنه يجوز تعلق الحياة ببعض الجسم، وهذا أمر لا نرتاب فيه، سيما وقد أثبت العلم أن الحياة هي الأصل للمادة، وان الحياة علة الأجسام، والبرهان عليه ما يشاهد في جماعة (الاميب) من تمتعها بكل الخصائص والمميزات الأصلية للحياة، حتى أنها لنبني لنفسها فواقع جميلة ومعقدة التأليف أحيانا، والحال أن هذا الحيوان خال من كل تركيب.
هل الجامع والحافظ شيئان أو شيء واحد؟
المراد الجامع لأجزاء النطفة، والحافظ لذلك الاجتماع إلى قبول الجنين للنفس الناطقة.
هذا البحث من أجل المباحث، قال في رسالته المشتعلة على أجوبة مسائل المسعودي: واعلم أن الجامع لتلك العناصر غير الحافظ لذلك الاجتماع، والذي عليه ابن سينا في الشقاء والارشارات: أن الجامع والحافظ هو نفس الأم، وقد أجاد الطومي القول في شرح المسألة، وتخلص له أن الجامع للأجزاء الغذائية الواقعة في الماءين هو نفس الأبوين، وهو غير حافظها. والجامع للأجزاء المضافة إليها على أن يتم البدن، وغلى آخر العمر، والحافظ للمزاح هو نفس المولود .. الخ.
وقد اثبت علم الفسيولوجي الحادث، أنه عند ما يتم التلقيح باتصال الحيوان المنوي بالبويضة التي يفرزها الرخم، تنقسم تلك البويضة إلى عدة خلايا متماثلة، وهو طور العلقة، لكون تلك الخلايا صغيرة ككريات الدم ثم فيما بعد، تتنوع خلاياها ويتميز بعضها عن بعض، لتتخلق منها الأطراف والعظام والعضلات، وأما تغدي الجنين فيكون بواسطة الحبل السري، وقبل وجوده بطريق الامتصاص، إلى آخر ما هو مبين في ذلك العلم، وعليه فإن الجامع نفس الأبوين، والحافظ نفس الجنين، وهو ما عليه الرازي.
استعمال الحيوان للدواء إلهاما
ذكر في رسالة النفس من مطالبه العلية، أن وقوع (الصعتر) في الترياق علم من الكركي، فان بعض الأطباء كان في بعض الجبال يجمع الحشائش، فجلس في مغارة يستظل وقت الهاجرة، فرأى كركيا يقاتل أفعى، وكلما نهشته الأفعى عاد إلى (الصعتر) واكل منه، ويعود إليها، فعمد الطبيب على ما هناك من (الصعتر) فقطعه، فنهشت الحية الكركي فجاء إلى (الصعتر) ليأكل منه فلم يجده، فبقى زمانا يسيرا، ووقع صريعا ومات سريعا).
واستعمال الحيوان للطب إلهاما وغريزة أمر معروف، وممن أجاد القول في ذلك ابن طرخان الحموي في كتاب الأحكام النبوية في الصناعة الطبية، هذا وبعضهم اثبت للحيوان التفكير المنطقي، حداه على ذلك عجائب النمل، وهو قول قد قوبل بالمعارضات الحادة أما المذهب المادي فيرى أن التفكير مجرد تفاعلات كيمائية، وهو مذهب مرذول، والرأي الصواب أن للحيوان الإلهام أو قل الغريزة، وهو التفكير في دائرة محدودة، وللإنسان التفكير المنطقي، هيأة الله له، وعلم ادم الأسماء كلها. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. والكلام على كنه التفكير واسع المدى.
من فوائد الرازي الطبية
قال أن الدم يتجمع حيث يحتاجه البدن للعمل، وهذا أمر ثابت، فالدم بتجمع للرحم وقت تكون الجنين، وللدماغ وقت التفكير، وللمعدة وقت عملية الهضم، ولذا لا يحسن الهمل الفكري بعد تناول الطعام مباشرة إلا بعد مضي ساعة على الأقل.
وذكر أن المواظبة على طعام واحد تضعف الشهية، وقرر في حكمة النوم، انه لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وإنقاذ الغذاء على الأعضاء، فالنوم راحة للبدن ونمو له.
ومن العلم الطبيعي:
قرر الرازي إن الهواء لا يقبل النور، وبني على ذلك أن ضوء الصبح لا يمكن أن يكون من الشمس تناقل من هواء، مبطلا بذلك نظرية ابن الهيثم.
ولكن أرى أن نظرية الرازي مردودة، بما ثبت من أن هذا العالم مملوء بالأثير، وان في هذا الأثير تحصل تموجات منها ينشأ النور والكهرباء والجذب، وقد أدرك الجاحظ وهو من علماء العصور الأولى هذه الحقيقة فقال: أن الهواء فيه ظلام الليل وضياء النهار، وما كان فيه من الأشباح والحركة لا ترى الضياء العارض في الهواء ما تباعد منها الخ ...