المعنى الذي أوردناه مناهضة للرقي، ولا ان الفضيلة قيد ظالم لها يجب أن تتحرر منه.
ويجب أن يضاف إلى هذا المبدأ، مبدأ أصيل آخر، تقرره الفطرة وتوجيه طبائع الأشياء ذلك أن البيت هو الميدان الطبيعي لرسالة المرأة.
وعلى ضوء هذين المبدأين نستطيع نتبين حكم الإسلام في أكثر ما يدور حول حقوق المرأة من قضايا ..
***
اختلاط الرجال بالنساء
فاختلاط الرجال بالنساء، والنساء بالرجال أحد الموضوعات التي يثور حولها الجدل، وتأخذ من اهتمام المتناظرين أكثر مما تستحق .. فإذا تحققت المرأة بمعاني العفة ومظاهرها التي ذكرناها .. وإذا علمنا -إلى جانب ذلك- أن الاختلاط ليس له من معنى إلا الرؤية، والمقابلة والمحادثة في ضروريات الأمور، الفينا قضية الاختلاط مفروغا من أمرها.
الاختلاط في البيت:
ا - فالمرأة لا تأذن في بيت زوجها وهو شاهد إلى بإذنه، ولا تستقبل فيه أحدا من الرجال الأجانب إلا من تدعو الحاجة لاستقبالهم، على أن يكون ذلك بعلمه أو بإذنه، أو يكون ممن تجري عادة البيئة بدخوله كما يحصل في بيوت أهل الريف.
ب - أقارب الزوج والزوجة يجب أن لا يكثروا من الدخول عليها، ويطيلوا الجلوس معها بدون موجب، وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك بقوله: «اياكم ودخول الرجال على النساء» - والحمو هو قريب الزوج أو الزوجة-. يريد عليه السلام أن دخول الحمو على المرأة بصفة مستمرة يجلب في أعقابه أخطارا كثيرة، فإن من أقارب الزوج الزوجة من يتذرع بالقرابة، فيطرق البيت بالليل وبالنهار، ولضرورة ولغير ضرورة .. وقد يترخص الزوج والعشيرة في قبول تلك الحالة والاغضاء عنها بحكم القرابة .. ولكن قد يفضي ذلك في النهاية إلى عواقب وخيمة، منها تقطيع أواصر القرابة .. أو الطلاق .. وقد يكون منها اراقة الدماء والموت.
جـ - وخلوة المرأة بالرجل الأجنبي في البيت أو في أي مكان آخر محرمة، إلا إذا كان معها زوجها أو ذو محرم لها. والأجنبي هو كل من عدا زوجها، وليس بمحرم لها .. والمحرم هو كل من لا يحل له زواجها على صفة التأييد كأبيها وأخيها وولدها.
وليس ذلك النهي مؤسسا على سوء الظن بخلق المرأة، إنما هو مؤسس على ما في طبيعة البشر -رجالا ونساء- من احتمال الاستجابة إذا ما طالت فترات الخلوة، فإن تلك الفترات- مع فراغ البال ورخاء الحال - مما يجعل النفس تستشرف لتذوق الممنوع .. وفي تصوير تلك الحالة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والخلوة بالنساء والذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا ودخل الشيطان بينهما» .. ومن هنا حرم الإسلام الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية إلا أن يكون معها زوجها، أو ذو محرم لها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينه وبينها محرم».
وفي تلك الأحاديث ما يفيد أن مقابلة الرجل للمرأة ومقابلة المرأة للرجل ليست محرمة لذاتها، بل لما يترتب عليها من عواقب سيئة، أو يستتبعها من سوء الظن والريبة وشيوع الهمس وقالة السوء .. فإذا لم تكن هناك خلوة، أو كانت الخلوة ولكن مع ذي محرم فليس هناك من بأس أو حرمة ..
*
الخروج من البيت:
ولقد قلنا أن البيت هو المكان الطبيعي لرسالة المرأة، فيجب أن يكون الخروج منه مقيدا أو مشروطا بعدم افساد تلك الرسالة، أو الإخلال بحق من حقوقها .. كما يجب أن يكون له من الضرورات أو الأسباب المشروعة ما يجعله سائغا مقبولا ..
فلها أن تخرج لزيارة والديها واخوتها وأخواتها، ومن تؤمن زيارتها له من أقاربها وصديقاتها.
ولها أن تخرج للصلاة- واداؤها في البيت أفضل- وضرورات العلاج، وقاعات العلم والمحاضرات، للتزود بما يثقف عقلها ويهذب نفسها، ويفقهها في دينها، ويعرفها بواجبها في الحياة .. على ألا تكون في تلك القاعات عرضة لمجون العابثين وفساد مرضى القلوب ..
ولها أن تخرج إلى الحقل أو السوق، أو إلى أي مكان لا اثم فيه لشراء ما يحتاج إليه بيتها، وقضاء مصالحها.
وقد كان نساء الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده يفعلن كل ذلك ولا ضير عليهن.