تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 19

بين الجمود والجحود

الأستاذ الكبير: السيد مختار السوسي

-8 -

نزلت بالدكتور حماد، فوجدت على منضدته، عشرات من الكتب، فرحب بي ترحيبا أحسست به يبعث من أعماق صدره، وصار يعلن إلي في كل فرصة ما يزعم انه مدين لي به قال:

أن تغييرا عظيما دخل في حياته، فانقلب به عاداته، وانعكست به أفكاره، فهو الآن غيره يوم الزيارة الأولى.

فكنت أجيبه بأن الفضل حقيقة لله وحده، ولهمته الطموح، ونشاطه في البحث، ولبراءته من الغرور والغطرسة وعدم الإنصاف، فبهذه الثلاث بحرم كثيرون من شبابنا مما حصل عليه الآن حماد.

ثم لم أبطئ كثيرا بعد دخولي إلى الدار حتى دخل علينا شاب مجلب مطربش وعليه الزي المعهود من الشبان الفاسيين أو الرباطيين الذين تنقفوا بالثقافتين الأهلية والغربية، فلهم شهادة القرويين، كما لهم شهادة أخرى في اللغة الأجنبية وعلومها، فقدمه إلى حماد باسم فلان بنيس، كما قدمني إليه وقال له: أن هذا هو الذي تتشوق إلى التعرف به، فإذا بهذا الشاب هو الذي كتب به إلى حماد، ثم كان أول ما جال في صدري أن اعرف ما هو سبب اتصال هذا السيد بحماد، مع أن حالة حماد التي يتملص منها لم أكن لأرضاها لهذا السيد، كما لا ترضاها له طبقته من الشباب الكثير.

وبعد لأي عرفت سبب الاتصال بينهما، فقد كان بنيس حقيقة ممن نبذوا عفاف طبقته، فكان يرتطم في الذي يرتطم فيه حماد، فلم تمنعه جبته ولا طربوشه ولا ثقافته القروية أن يشاطر حمادا في كل ما يجول فيه من الرذيلة، ومن الاستهتار بالخلاعة ورك الدين والخلق والحشمة، وإذا كان حماد معذورا بسبب بيئته، فكيف يعذر هذا الذي قضى ما قضى في بيئة دينية تمت إلى الفضيلة-ولو اسما- برحم مبلولة، فقلت في نفسي ما قاله من رأي غرابا وحمامة يطيران معا ويقعان معا، فتعجب مليا في الذي وصل بينهما، حتى رآهما معا يعرجان في مشيتهما، فأدرك إذ ذاك سبب المواصلة، وإذا ظهر السبب بطل العجب.

كنت أتعجب من عبارة الرسالة الأخيرة من حماد فان لهجتها تبدلت بسرعة، وتحولت من المنهج الذي كانت عليه سابقاتها، فهل يكون لهذا الخدن يد في ذلك، فلئن كان هذا صحيحا فان حمادا حينئذ في خطر، فلا يبعد أن يستزله هذا الرجل بكيفية شيطانية فتذهب كل أعمالنا في إنقاذه سدى.

جال هذا الفكر في عقلي، ثم تقوى فيه حين اكتشفت من بنيس ما اكتشفت بقرائن الأحوال فقط، فعزمت أن لا أفارق حمادا بعد، لحظة، حتى أوصله إلى المكانة التي أقوده إليها، وأسوقه نحوها بحول الله لا بحولي.

داولت حمادا في غيبة من بنيس، فأدركت منه أن الصحبة بينهما قديمة، ولما كان حماد يعتاد الصراحة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٥