تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شخصية «جامدة» متمسكة حتى النهاية بمبادئها الأولية .. وإذن فإن العالم الروائي المثقل بالأوصاف الجاهزة، والعبارات التقليدية، يجب أن ينزع عنه تلك الغشاوات ليتمكن من إدراك الحقائق الجديدة (*)

2) مهمة الروائي الجديد هي «رؤية العالم» دون محاولة جعله ذا معنى .. أي الاقتصار على تشريحه في برودة تامة دون الإضفاء عليه من الخيال أفكارا لا ينطق بها. وفي هذا الصدد يقول كلود سيمون: «يخيل إلى أن هذا العالم إذا كان يعني شيئا فهو يعني لا شيء» ..

3) تسوية الإنسان بالأشياء .. فالحرص على تصوير «الواقع» بفرض أن نضع الكائنات البشرية في مستوى واحد مع الأشياء، واعتبار الإنسان حضورا محضا، «متشيئا» نستطيع فقط أن نصف مظهره غير المفهوم .. وقد عبرت ناتالي ساروت عن هذه الفكرة في مناقشة أدبية قائلة: «يبدو لي أن في الرواية الجديدة نوعا من التحويل لمركز الثقل فإن الأشخاص والحبكة تهمنا أقل من ذي قبل .. » (*)

ووراء كل هذه العناصر، هناك أرضية أساسية يصدر عنها جميع الروائيين الجدد قوامها رؤية قلقلة للعالم .. الكون سديمي جامد، وشرطنا: العبث الميتافيزيقي «نحن غاطسون في خلود من العدم. نحن فقاقيع تتلاشى بعضها أثر البعض على سطح مستنقع وحل، وفي ضجيج رخو ندعوه الوجود .. » *

فهل أدب اللا معقول مجرد محاولة «لبعث نظرية الفن للفن التي كان الجيل الماضي من الأدباء يظن أنه قد دفنها إلى الأبد» (*)؟ أم أنه اتجاه أصيل نابع من وضع حضاري خاص، أسهم في أيجاد حل لأزمة الرواية التي بدأت ترزح تحت تزييفات «اللفظية» والمبالغة؟

الواقع أننا لا نستطيع الوصول إلى جواب حاسم عن هذه الأسئلة .. ولكن ما ذهبت إليه السيدة عايدة مطرجي خال من كل اتصاف ودقة .. لأن كتاب الرواية الجديدة يؤدون رسالتهم بإصرار وإدراك تام للشهادة التي يسجلونها عن مجتمعهم .. ورغم أن أدب اللامعقول يتغذى بالعبث، وينغمس في القلق، ويضع العالم بين قوسين محاولا إخراجه عن «الزمانية». فإن أسسه «الرفضية» التي قام عليها تبعث على الاعتقاد بأن «العبثية» مرحلة أولى ستتلوها مرحلة الإيجابية.

ويقوي هذا الاعتقاد أن معظم الروائيين الجدد قد شاركوا في توقيع بيان 121 أدبيا .. وهو موقف سياسي جريء ينم عن تجاوبهم مع اتجاه التاريخ ..

والأدب ـ قبل كل شيء ـ حقل للتجارب والإبداع شريطة أن يقترن بالصدق وبالإخلاص ..

الرباط: محمد برادة

* لا يمكن أن ننسى في هذا المجال رواية «الغثيان» لجان بول سارتر .. فهي تمثل ثورة على التكنيك الروائي المألوف .. وإن كانت مدرسة الرواية الجديدة لا تعترف بانتساب سارتر إليها لأنه يهتم بالمعنى: ويحرص دوما على إعطاء العالم معنى.

* الآداب ـ مارس 1963 ص 92.

* Partisans - Mauriee Nadeau, p.115

* عايدة مطرجي ـ الآداب مارس 1963 ص 66.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٨٤