تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأعاد الذهب البهجة والفرح إلى قلبي الأخوين بعد ظلام وانقباض، ولكن عودة المال إلى أيديهما صرفتهما عن العناية بالأرض، وأخذا ينفقان في سرف على ملاهيهما ولذاتهما، حتى أضاعا الجانب الأكبر مما غنماه من صفقتهما الرابحة، ولم يمض العام حتى رأيا ألا مفر من أن يعودا إلى فلاحة أرضهما والعمل فيها كما يفعل الناس.

أما ميجيل فقد كان يشتغل بأرضه من مطلع الشمس حتى مغيبها، كان لا يالوا جهدا في حرث تلك الأرض التي طالما أضر بها الإهمال، وكان يجتهد في تنظيفها من وحشي الأعشاب، وفي ريها بعد أن يبسها الجذب وقلة العناية، وهكذا عاد إلى تلك الأرض رواؤها وخصبها، وحفلت مرة أخرى بسنابل القمح الممتلئة الشقراء، بينما ظلت أرض أخويه كما كانت مقفرة قاحلة، وكان أخواه ينظران إلى تلك الحياة الجديدة التي دبت في أرض ميجيل وملء قلبيهما الغل والحسد وملء عيونهما الرغبة في المزيد من المال، وعاد ميجيل إلى شراء ما باقي من أرضهما ونقدهما الثمن مضاعفا كما فعل من قبل.

عادت أرض البرجونثالث إلى ابنه الأصغر ميجيل، وعادت معه إلى الحقول الملعونة ما كان المزارع العجوز قد أفاض عليها من الخير والخصب، أما الأخوان الكبيران فإنهما لم يريا أيديهما مملوءة بالمال حتى عادا إلى ما كانا فيه من الإنفاق عن يمين وعن شمال، وما زالا حتى أدت بهما الخمر والمقامرة واللذات مرة أخرى إلى الفقر والإفلاس.

ـ 10 ـ

كان أخوا ميجيل قد قضيا يومهما في قرية مجاورة كانت تحتفل بموسمها السنوي، وكانا قد أسرفا في الطعام والشراب، طيلة ذلك اليوم، فلما أقبل المساء اتخذا طريقهما عائدين إلى قريتهما، وكان الأكبر مقطب الوجه، وقد تقارب ما بين حاجبيه الغليظتين، وتحت جبينه الضيق تختمر فكرة هائلة رهيبة.

وتوجه بالحديث إلى أخيه:

ـ كيف تفسر إقبال الحظ على ميجيل؟ فها أنت ذا ترى الأرض تغمره بالخير والثروة بينما تضن علينا نحن بكسرة خبز.

وتمتم الأصغر في صوت لا يكاد يبين:

ـ ضرب من ضروب السحر، وفنون من رقي الشياطين.

ومضى الأخوان في طريقهما صامتين حتى اقتربا من حقول أخيهما الأصغر، فخطر لهما أن يطلعا عليهما من أعلى السور، وبدا الحقل وقد اكتظت أشجاره بالثمار، وهناك بين أحواض الورد تبينا شخص رجل منحن على الأرض منصرف إلى معالجتها .. وقال الأكبر:

أنظر إليه، ها هو ذا هناك لا يكف عن العمل في ظلام الليل، ثم أقبلا يصيحان بأخيهما:

ـ ميجيل .. ميجيل ..

ولكن الرجل الذي كان يباشر عمله في الأرض لم يلتفت إليهما وكأنه لم يسمع نداءهما. وبقي منكبا على الأرض يشذب هذه الأغصان أو يقتلع تلك الحشائش، وأنعم الأخوان النظر، فهالتهما رؤية شيء غريب: هالة من النور تحيط بشخص ذلك الرجل الذي ظل مقبلا على عمله، ولكنهما نسيا ذلك إلى اسرافهما في الشراب إذ لم يكن من الغريب أن تضطرب الصور وتختلط في نظر الثمل، وليت الفتيان يتأملان، وما كانت لحظة حتى انتصب ذلك الرجل واقفا، واتجهت خطواته إلى حيث كانا واقفين دون أن يبدو عليه أنه رءاهما، وكأنه كان متجها إلى ركن ءاخر من أركان الحقل يواصل العمل فيه، ودنا ذلك الشخص منهما، فشخصا بأبصارهما إليه، لم يكن ميجيل، وإنما هما يتبينان فيه صورة أبيهما، البرجونثالث نفسه يعمل في أرض ابنه ميجيل بعد أن لفظته مياه البحيرة السوداء .. البحيرة التي ليس لها قاع ..

واستيقظ الأخوان في اليوم التالي، ولم يذكرا من حديث الأمس إلا أنهما أكثر من النبيذ، فتراءت لهما ما اعتاد السكارى أن يروه من تهاويل غريبة وصور مزعجة، ولم يلقيا بالا إلى ذلك، وأقبلا على شأنهما من الإسراف في المتعة وإنفاق المال عن يمين وعن شمال، بينما مضى أخوهما الأصغر في فلاحة أرضه والعناية بها، والله يزيده من الخير ويضاعف له من الثمرات.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٧٦